في سنة استثنائية بكل المقاييس، وفي لحظة وعي وحرص على مصلحة الوطن والمواطن، وجّه الملك محمد السادس نداءً واضحًا إلى الشعب المغربي، يدعوهم فيه إلى عدم إقامة شعيرة عيد الأضحى لهذه السنة الهجرية، دعوة نابعة من قراءة بعيدة المدى، تُراعي التحديات الاقتصادية العميقة التي تمر بها البلاد، وتدهور القطاع الفلاحي بسبب توالي سنوات الجفاف، وما ترتب عنها من تراجع حاد في الانتاج الوطني القطعان ، وارتفاع جنوني في الأسعار، مما يجعل الأضحية عبئًا لا يُحتمل، خصوصًا على الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود.
لم تكن الدعوة لتوقيف الشعيرة استهانة بالدين ولا تقليلاً من شأنها، بل كانت نابعة من فقه المصلحة، ومن حسّ عال بالمسؤولية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، حتى لا يتحول العيد من مناسبة روحية إلى ساحة استعراض طبقي، ومن رمز للتكافل إلى فخّ نفسي يُدخِل ملايين الأسر في دوامة القروض والديون..
ورغم وضوح النداء وسمو مقصده، اختار جزء من المجتمع أن يدير ظهره له، فاندفع نحو الأسواق، يلهث خلف الأضاحي، يتهافت على شراء اللحم، يُخزّن ويُجمّد وكأن الأمر سباق للبقاء، لا امتحان للتضامن. فوضى مجتمعية تنبئ بانفصال خطير بين الوعي الشعبي والرؤية الملكية.
ما الداعي لكل هذا الهوس الجماعي إذًا؟ لماذا كل هذا اللهاث خلف لحوم لا نحتاجها بقدر ما نحتاج أن نفهم سبب غيابها؟ أليس الأولى أن نُبدي امتثالاً وطنياً لما دعا إليه الملك، لا أن نتسابق إلى مخالفة نداءه، وكأننا نعيش في واقعٍ موازٍ لا يراه؟
لقد تحولت بعض السلوكيات إلى ما يشبه التمرّد الغريزي، لا المنطقي، حتى صرنا نرى في الأضحية غاية لا وسيلة، وفي اللحم خلاصًا لا شراكة في المسؤولية، تسابق هستيري نحو التجميد، والتهام جماعي للمعنى، وكأننا في زمن ندرة يتسابق فيه الناس إلى التهام الوطن، لا حفظه. وكأننا كائنات جائعة لا تؤمن إلا بالسطح، غير قادرة على استيعاب أن الوطنية الحقّة ليست في الشواء، بل في الإصغاء.
الوطن لا يُختزل في خروف، ولا يُقاس بمقدار ما نملكه من لحوم. الوطن يُقاس بمدى استعدادنا لأن نضع أنانيتنا جانبًا، ونُحكّم صوت العقل و نحتكم إلى المصلحة العليا، حب الوطن يظهر في لحظات التعقّل والتجرد،والذين ينهشون اليوم في قرارات حكيمة، هم أنفسهم من ينهشون في جسد الوطن بأفعالهم، لا بأقوالهم…
فهل نصحو قبل أن تلتهمنا هذه الفوضى؟ أم سنواصل التشبث بعادات أكل الزمان معناها، لنبدو فقط على ما يُرام، ولو على حساب من لم يعد يملك حتى ما يُظهره؟