
** مصطفى الياس
ليست كل القوانين التي تعيد تنظيم الاقتصاد مجرد تعديلات تقنية في دفاتر المؤسسات المالية، فبعضها يغير طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات التي تقرضه المال، ويعيد رسم الحدود بين الحق في استرداد الديون والحق في الحماية من التعسف، والمغرب، وهو يتجه نحو إرساء إطار قانوني جديد لتفويت الديون البنكية المتعثرة، يقف أمام واحد من الملفات التي تستحق نقاشا عموميا يتجاوز لغة الأرقام والتوازنات المحاسبية، ليمتد إلى العدالة الاجتماعية، والأمن الاقتصادي للأسر، ومستقبل المقاولات الصغيرة، وحدود تحويل الالتزامات المالية للأفراد إلى أصول قابلة للبيع والشراء
فالموضوع لا يتعلق فقط بقرار يسمح للبنوك بالتخلص من القروض التي تعذر استخلاصها، وإنما بإحداث سوق ثانوية يمكن أن تدخلها شركات متخصصة ومستثمرون مغاربة وأجانب لشراء محافظ من الديون المتعثرة، ثم تولي تدبيرها ومحاولة استخلاصها أو إعادة هيكلتها، وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة، هل سيؤدي هذا التحول إلى تخفيف الضغط عن النظام البنكي وتوسيع فرص التمويل، أم أنه قد ينقل جزءا من مخاطر التعثر من مؤسسة مالية منظمة إلى شركات يكون تحصيل الديون في صلب نموذجها الاقتصادي، وأين تنتهي الحقوق المشروعة للدائن، وأين تبدأ ضرورة حماية المدين الذي فقد القدرة على الأداء
وتقتضي الأمانة الصحفية والقانونية توضيح نقطة جوهرية، وهي ضرورة التمييز بين مشروع القانون والنص التشريعي الذي دخل حيز التنفيذ، فالمعطيات المنشورة إلى غاية أواخر غشت 2026 أشارت إلى أن مشروع القانون رقم 02.26 المتعلق بالتفويت المباشر للديون المتعثرة لمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها كان في مسار الإعداد، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره قانونا نافذا ما لم يثبت صدور النص النهائي ونشره في الجريدة الرسمية واستكمال شروط دخوله حيز التطبيق، وهذا التمييز ليس تفصيلا شكليا، بل هو أساس التحليل كله، فهناك فرق بين ما تقترحه الحكومة، وما يسمح به القانون القائم، وما سيصبح ملزما بعد اعتماد النص النهائي
وتكمن أهمية المشروع في أنه يستهدف إرساء إطار خاص يسمح للمؤسسات البنكية بالتفويت المباشر في الديون المتعثرة، بما يتيح توسيع دائرة الجهات القادرة على شراء هذه الديون وتدبيرها، ويطرح في المقابل تساؤلات حول كيفية انتقال الحقوق والضمانات المرتبطة بها، ومدى استمرار الحماية القانونية للمدين بعد تغير هوية الدائن، وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات أو التوقعات، وإنما بالرجوع إلى الصيغة النهائية للنص والقواعد القانونية المنظمة للعقود والائتمان والتحصيل وحماية المعطيات الشخصية
وتساعد الأرقام على فهم الخلفية الاقتصادية التي تدفع نحو هذه الخطوة، فقد أفادت معطيات منشورة حول تقرير بنك المغرب للرقابة البنكية برسم سنة 2025 بأن حجم الديون المتعثرة بلغ 102.3 مليار درهم في نهاية السنة، بارتفاع نسبته 5 في المائة، فيما مثلت هذه الديون 8.3 في المائة من إجمالي القروض البنكية، وبلغ معدل تغطيتها بالمخصصات 68 في المائة، وهي أرقام تعكس تحديا حقيقيا أمام القطاع البنكي، لكنها لا تعني أن جميع هذه الديون تخص أسرًا عاجزة عن أداء قروضها الاستهلاكية، ولا أنها كلها ديون ميؤوس من استرجاعها، فالمحفظة تشمل أفرادا ومقاولات صغيرة ومتوسطة وشركات، وقد ترتبط بتعثر مؤقت أو صعوبات هيكلية أو نزاعات حول المبالغ المستحقة
ومن الناحية الاقتصادية، فإن تجميد مبالغ كبيرة داخل قروض متعثرة يضعف قدرة البنوك على توظيف مواردها في تمويل أنشطة جديدة، ويرفع كلفة المخاطر، ويستدعي تكوين مخصصات لمواجهة الخسائر المحتملة، لذلك تسعى السلطات المالية إلى إيجاد آليات تتيح نقل بعض هذه الأصول إلى جهات متخصصة تستطيع تقييمها وإعادة هيكلتها وتدبيرها، غير أن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل حديث عن تحسين الميزانيات البنكية هو، هل ستصل فوائد هذه العملية إلى الاقتصاد الحقيقي والمواطنين، أم ستظل محصورة في تحسين المؤشرات المالية للمؤسسات
لنفترض أن شخصا اقترض من بنك مبلغا قدره مائة ألف درهم، ثم تعثر في السداد بسبب فقدان عمله أو تراجع دخله أو انهيار مشروعه الصغير، في ظل آلية التفويت المقترحة يمكن أن يبيع البنك الدين إلى شركة متخصصة بثمن يتفق عليه الطرفان، وقد يكون أقل من المبلغ الاسمي للدين، فإذا اشترت الشركة محفظة ديون بمبلغ إجمالي أقل من قيمتها الاسمية، فإنها تراهن على استخلاص مبالغ مستقبلية تتجاوز تكلفة الشراء والمصاريف والمخاطر، أو على التوصل إلى تسويات مع المدينين
وهنا يجب التمييز بين القيمة الاسمية للدين، وهي المبلغ الذي يطالب به الدائن وفق الوثائق والحسابات القانونية مع مراعاة ما تم أداؤه وما قد يكون محل نزاع، وثمن بيع الدين، وهو المقابل الذي يدفعه المشتري للبنك لاقتناء الحق في الدين، وقد يكون أقل بكثير من القيمة الاسمية، ثم المبلغ الذي يمكن استخلاصه من المدين، وهو ما يثبت استحقاقه قانونا وفقا للعقد والقواعد المطبقة والأحكام القضائية أو التسوية المتفق عليها
وهذه نقطة محورية، فإذا باع البنك دينا بقيمة اسمية تبلغ مائة ألف درهم مقابل خمسة وعشرين ألف درهم، فهذا لا يعني تلقائيا أن المدين أصبح مطالبا بأداء خمسة وعشرين ألف درهم فقط، كما لا يعني أن المشتري يستطيع أن يفرض عليه أداء مائة ألف درهم دون تقديم حساب صحيح ومراعاة الدفوع القانونية والتقادم والمبالغ المؤداة وغيرها من العناصر ذات الصلة، فثمن البيع يعبر عن العلاقة التجارية بين البنك والمشتري، وليس بالضرورة عن تسوية الدين مع المدين
وبالمثل، فإن بيع الدين لا يعني إلغاءه أو الإعفاء منه تلقائيا، فالأصل أن عملية التفويت تغير الجهة التي تملك الحق في المطالبة بالدين، ولا تمحو الالتزام بمجرد انتقاله من مؤسسة إلى أخرى، وقد أكدت توضيحات صحفية منشورة حول المشروع أن الهدف ليس شطب الديون، بل تنظيم انتقالها وتدبيرها، وهو ما يجعل المواطن مطالبا بفهم حقوقه وواجباته وعدم الخلط بين بيع الدين وإسقاطه
ومن الناحية المصرفية، هناك عدة دوافع وراء هذه السياسة، أولها تحرير جزء من الموارد والقدرات المالية والإدارية التي تستهلكها متابعة الديون المتعثرة، وثانيها تقليص المخاطر المرتبطة بالمحافظ الائتمانية، وثالثها تحسين تدبير الميزانيات وإعادة توجيه الجهود نحو منح قروض جديدة للأسر والمقاولات، وقد يتيح وجود مشترين متخصصين للبنوك التفاوض على بيع محافظ كاملة من الديون، بدلا من معالجة كل ملف على حدة، كما قد يشجع على ظهور خبرات جديدة في إعادة الهيكلة والتسوية والتدبير المالي للديون
غير أن ثمة سؤالا لا ينبغي تجاهله، إذا باعت البنوك الديون المتعثرة، فهل ستصبح أكثر استعدادا لتمويل المقاولات الصغرى والأشخاص ذوي الدخل المحدود، ليس بالضرورة، فتوسيع التمويل يتوقف أيضا على مستوى المخاطر وكلفة الاقتراض والضمانات المطلوبة والقدرة الفعلية للمقترضين على السداد وسياسة البنوك التجارية، ولا توجد ضمانة تلقائية بأن كل درهم تسترده البنوك من عملية التفويت سيتحول إلى قرض جديد أو إلى تمويل أقل كلفة، ولهذا ينبغي تقييم الإصلاح بمؤشرات ملموسة، من قبيل تطور تمويل المقاولات الصغيرة وتحسن شروط الائتمان وتراجع آجال معالجة التعثر ومدى استفادة الفئات التي تعاني من صعوبات في الوصول إلى التمويل
ومن الخطأ النظر إلى المدين المتعثر باعتباره شخصا يرفض الوفاء بالتزاماته في جميع الحالات، فالتعثر قد يكون نتيجة سوء تدبير أو مغامرة مالية غير محسوبة، لكنه قد ينتج أيضا عن فقدان العمل أو مرض أحد أفراد الأسرة أو ارتفاع تكاليف المعيشة أو تأخر مستحقات مقاولة أو أزمة اقتصادية مفاجئة، ومن منظور اجتماعي لا يقف أثر الدين عند حدود الحساب البنكي، فقد يمتد إلى العلاقات الأسرية والقدرة على الإنفاق على التعليم والعلاج والسكن والشعور بالأمان والاستقرار، بل وإلى مكانة الشخص داخل محيطه الاجتماعي
وعندما تنتقل ملفات الديون إلى جهة متخصصة، قد تتغير طبيعة التواصل مع المدين، وقد يصبح التحصيل أكثر تنظيما واحترافية، وهذه ميزة محتملة إذا رافقها وضوح في الحسابات واحترام للقانون، لكنها قد تتحول إلى مصدر قلق إذا غابت الرقابة الفعالة أو استعملت أساليب ضغط غير مشروعة، لذلك لا ينبغي أن يكون نجاح السوق الجديدة مقاسا فقط بحجم الديون التي تم بيعها أو المبالغ التي جرى استخلاصها، بل يجب أن يشمل أيضا عدد التسويات الودية ومدى مراعاة الحالات الاجتماعية الصعبة وسرعة تصحيح الأخطاء وعدد الشكايات المتعلقة بالتحصيل وطريقة التعامل مع النزاعات حول أصل الدين ومقداره
وتظل حقوق المدين قائمة وفق القانون المطبق، ولا يجوز افتراض أنها تختفي لمجرد بيع الدين، فعندما يتلقى المدين مطالبة من شركة لم يتعامل معها من قبل، ينبغي أن يتمكن من التحقق من هوية الجهة المطالبة وصفة ممثلها والأساس الذي تستند إليه في المطالبة، كما ينبغي أن تتوفر لديه إمكانية الاطلاع على الوثائق التي تثبت أصل الدين ومقداره، والمبالغ التي تم أداؤها، والفوائد والعمولات والمصاريف المطالب بها، والأساس القانوني لكل مبلغ
ولا ينبغي أن يؤدي مجرد اتصال هاتفي أو رسالة غير موثقة إلى دفع الأموال إلى جهة لم يتم التحقق منها، كما أن شراء الدين لا يجعل أي كشف حساب صحيحا بمجرد تقديمه، ولا يمنع المدين من منازعة المبالغ غير المستحقة أو الأخطاء الحسابية وفق المساطر المتاحة، وإذا كان هناك خلاف حول وجود الدين أو مقداره أو الضمانات المرتبطة به، فلا ينبغي اعتبار بيع الدين نهاية للنزاع، وتبقى إمكانية المنازعة والتمسك بالدفوع القانونية قائمة بحسب طبيعة الملف والمرحلة التي بلغها
وتستدعي عملية نقل ملفات الديون معالجة بيانات مالية وشخصية حساسة، ولذلك ينبغي أن تخضع هذه المعالجة للقواعد القانونية المتعلقة بالسرية المهنية وحماية المعطيات الشخصية، مع تحديد الجهات المخول لها الاطلاع على المعلومات وأغراض استخدامها وضوابط نقلها إلى الجهات الأخرى، بما في ذلك الجهات الأجنبية عند الاقتضاء، كما أن وجود دين مستحق لا يمنح أي جهة حق تهديد المدين أو إهانته أو التشهير به أو استعمال وسائل غير قانونية لإجباره على الأداء، فوجود شركة متخصصة في التحصيل لا يجعلها سلطة قضائية، ولا يمنحها صلاحيات التنفيذ الجبري خارج المساطر القانونية
ويمكن للمدين أن يسعى إلى التفاوض حول جدولة المبالغ أو تسوية النزاع أو إعادة هيكلة الالتزامات، بحسب استعداد الدائن الجديد والضوابط القانونية، لكن لا ينبغي افتراض أن كل شركة ملزمة بقبول التخفيض أو التقسيط ما لم يوجد سند قانوني أو اتفاق يفرض ذلك، كما أن التفاصيل المتعلقة بالإشعار ونقل الضمانات وسلطات المشتري وآليات التظلم تبقى رهينة بالنص الذي سيعتمد فعليا وبالقواعد الأخرى ذات الصلة
وتزداد حساسية الموضوع عندما تكون الديون مضمونة برهن عقاري أو بضمانات أخرى أو بكفالة شخصية، ففي هذه الحالات لا يكفي النظر إلى مبلغ القرض وحده، بل يجب فحص العقد الأصلي وطبيعة الضمان وحدوده والشروط المتعلقة به والإجراءات التي اتخذت بشأنه، ويشير مشروع القانون إلى اتجاه نحو انتقال الدين والحقوق والضمانات المرتبطة به وفق الشروط التي يحددها النص، لكن انتقال الضمان لا ينبغي تفسيره على أنه إلغاء لجميع الشكليات القانونية أو منح للمشتري حقا مطلقا في التصرف في أموال المدين
فالتنفيذ على عقار أو مباشرة إجراءات ضد كفيل يخضعان للقواعد القانونية ذات الصلة، ولا يكفي مجرد امتلاك ملف الدين لتجاوز المساطر المطلوبة، وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالسكن الرئيسي للأسرة أو بضمان قدمه شخص لفائدة مقاولة تعود إلى قريب أو شريك، ففي هذه الحالات قد تتجاوز آثار التعثر المقترض الأصلي لتطال أفرادا آخرين، ومن هنا تبرز ضرورة أن يفهم المواطن طبيعة الكفالات التي يوقعها، وألا يستهين بالضمانات الشخصية أو العقارية، وأن يحتفظ بنسخ العقود ووثائق الأداء والمراسلات ذات الصلة
ومن الاتجاهات التي يفتح لها المشروع المجال دخول مستثمرين متخصصين إلى سوق الديون المتعثرة، وقد تداولت تقارير اقتصادية أخبارا عن مشروع استثماري محتمل يجمع مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي والمجموعة الألمانية EOS، بهدف إنشاء آلية استثمارية يمكن أن تصل قدرتها إلى ستين مليون يورو لاقتناء محافظ من الديون المتعثرة في المغرب، لكن يجب التوضيح أن هذا الرقم يمثل القدرة الاستثمارية المحتملة للآلية، وليس بالضرورة القيمة الاسمية للديون التي ستشتريها، كما أن المشروع الاستثماري كان بحسب المعطيات المنشورة في غشت 2026 في مرحلة الموافقة ولم يكن استثمارا نهائيا منجزا
ومن الناحية الاقتصادية، قد يجلب دخول المستثمرين المتخصصين رأسمالا وخبرة في تحليل المحافظ المتعثرة وإعادة الهيكلة، لكن جنسية المستثمر ليست في حد ذاتها معيارا للحكم على جودة العملية أو خطورتها، فالمعيار الحقيقي هو مدى خضوع جميع المشترين للقواعد نفسها، ووضوح عمليات البيع، واحترام السرية البنكية، والرقابة على الممارسات، ووجود وسائل فعالة للتظلم والتصحيح والتعويض عند وقوع تجاوزات، كما يجب ألا يتحول البحث عن جاذبية السوق للمستثمرين إلى مبرر لتقليص الضمانات الأساسية للمدينين، فالسوق الجيدة ليست تلك التي تسهل شراء الديون فقط، بل تلك التي تجعل حقوق جميع الأطراف واضحة وقابلة للإنفاذ
وتبقى مسألة الرقابة من أكثر النقاط حساسية في هذا الإصلاح، فوجود بنك المغرب والجهات القضائية والهيئات المختصة لا يلغي الحاجة إلى تحديد واضح للجهة التي تراقب كل مرحلة من مراحل العملية، وينبغي أن تكون هناك قواعد دقيقة للتحقق من صحة الديون قبل بيعها، وضبط الوثائق التي تنتقل إلى المشتري، وتحديد المسؤوليات عن الأخطاء، وتدبير الشكايات، ومنع المطالبات المكررة، وحماية البيانات، ومراقبة أساليب التحصيل
كما ينبغي أن تكون هناك شفافية بشأن المبالغ المطالب بها وطرق احتساب الفوائد والعمولات والضمانات المنقولة، والجهة التي تتحمل مسؤولية تصحيح الخطأ إذا اكتشف المدين أن المبلغ غير صحيح، وقد أشارت تغطيات اقتصادية مغربية إلى أن إرساء السوق لا يتوقف على مشروع القانون وحده، بل يتطلب أيضا معالجة الجوانب الجبائية والاحترازية والقضائية وتحسين مساطر التحصيل، لكن الفعالية القضائية لا تعني التسريع في التحصيل على حساب حقوق الدفاع، والمطلوب هو عدالة أسرع وأكثر دقة تضمن للدائن حقه المشروع وللمدين حقه في معرفة ما يطالب به ومناقشة الحسابات والاعتراض على الإجراءات غير السليمة
وإذا كان الهدف هو بناء سوق منظمة للديون المتعثرة، فإن نجاحها يتطلب أكثر من مجرد تسهيل انتقال الملكية من بنك إلى مستثمر، فهناك حاجة إلى قواعد واضحة لإخبار المدين بانتقال الدين والجهة الجديدة التي ستتولى تدبيره، وإلى التحقق من أصل الدين ومقداره والمبالغ المؤداة والضمانات، ومنع المطالبات المبنية على بيانات ناقصة أو غير محينة، وإلى ضوابط صارمة لنقل الملفات الشخصية والمالية وتخزينها واستخدامها، ومراقبة أي نقل للبيانات إلى الخارج
كما يتطلب الأمر وضع معايير سلوكية ملزمة تمنع التهديد والتشهير والضغط غير المشروع، مع آليات للشكاية والمساءلة، وتسهيل الوصول إلى كشف حساب مفصل، وإتاحة مساطر فعالة لتصحيح الأخطاء، وعدم تحميل المدين نتائج أخطاء لم يرتكبها، وتشجيع حلول إعادة الهيكلة والجدولة والتسويات الودية عندما تكون قابلة للتطبيق، خصوصا في حالات فقدان الدخل أو التعثر المؤقت، فضلا عن نشر مؤشرات دورية لا تقتصر على حجم الديون المباعة والمبالغ المستخلصة، بل تشمل التسويات والشكايات والأخطاء المصححة ومدى استفادة الاقتصاد من تحسن قدرة البنوك على التمويل
وفي المقابل، لا يمكن أن تكتمل المعادلة دون الحديث عن مسؤولية المقترض، فالحماية القانونية لا تعني إعفاء الشخص من التزاماته، كما أن الصعوبات الاقتصادية لا تلغي تلقائيا آثار العقود الصحيحة، ومن واجب كل مقترض أن يقرأ شروط التمويل والضمانات والفوائد والعمولات قبل التوقيع، وأن يحتفظ بنسخ الوثائق، وألا يقدم بيانات غير صحيحة للحصول على قرض، وألا يتجاهل الإنذارات والمراسلات المتعلقة بالتعثر
وعند ظهور صعوبات في الأداء، يكون التواصل المبكر مع المؤسسة الدائنة وطلب تسوية مكتوبة أكثر أمانا من الصمت أو الاكتفاء بوعود شفهية، وإذا انتقل الدين إلى جهة جديدة فمن الحكمة التحقق من هويتها وطلب بيان مفصل للمبالغ المطالب بها ومراجعة أي اتفاق قبل توقيعه، كما ينبغي عدم تسليم الأموال إلى جهة غير متحقق منها أو الاعتراف بمبلغ محل نزاع أو توقيع إقرار أو تسوية تحت ضغط دون فهم آثارها القانونية، وفي الملفات التي تتعلق برهن عقاري أو كفالة أو إجراءات قضائية أو تقادم محتمل تصبح استشارة محام أو مختص قانوني خطوة مهمة، لأن التفاصيل الصغيرة في العقود والآجال قد تغير نتائج الملف
ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل سوق الديون المتعثرة عن طبيعة النظام الائتماني نفسه، فالبنك يمنح القرض مقابل عائد ويتحمل مخاطر عدم السداد ويكون مخصصات لمواجهة الخسائر، وعندما يبيع الدين فإنه ينقل حقا ماليا إلى مشتر مستعد لتحمل مخاطر تحصيله مقابل ثمن معين، وقد يكون هذا التحول مفيدا إذا أدى إلى تحسين إدارة المخاطر وتحرير الموارد وتمويل الاستثمار، لكنه يثير سؤالا بشأن توزيع الخسائر، فمن يتحمل أثر التعثر، وكيف يتم تحديد ثمن البيع، وهل تنعكس العملية على شروط التمويل المستقبلية، وهل توجد ضمانات كافية لمنع الإفراط في المديونية أو التساهل في منح القروض
ولا ينبغي افتراض أن بيع الديون سيؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار القروض أو تشدد البنوك، كما لا ينبغي افتراض أنه سيخفض كلفتها تلقائيا، فهذه نتائج تحتاج إلى تقييم واقعي بعد التطبيق، ومقارنة تطور أسعار التمويل وشروطه وحجم القروض الجديدة ومستويات التعثر، ومن المهم كذلك ألا تتحول السوق الجديدة إلى وسيلة لإخفاء الخسائر الاقتصادية بدلا من تدبيرها بشفافية، فبيع الدين قد يحسن وضع المؤسسة البائعة بحسب شروط العملية والمعالجة المحاسبية، لكنه لا يمحو الخسارة الاقتصادية التي نشأت عن تعثر المقترض، وإنما يعيد توزيع المخاطر بين الأطراف
إن مشروع القانون المتعلق بالتفويت المباشر للديون البنكية المتعثرة يفتح نقاشا ضروريا حول تحديث النظام المالي المغربي، وقد يوفر أدوات جديدة لمعالجة محفظة من الديون التي تثقل ميزانيات المؤسسات البنكية، لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في جعل الدين قابلا للبيع فحسب، وإنما في بناء منظومة تضمن أن انتقاله لا يؤدي إلى ضياع حقوق المدين أو غموض المبالغ المستحقة أو تسرب المعطيات الشخصية أو اتساع الممارسات غير المشروعة في التحصيل
فالمدين ليس خارج القانون، والدائن ليس فوق القانون، والمستثمر الجديد لا يكتسب بمجرد شراء الدين سلطة مطلقة على صاحبه، وإذا كان من المشروع أن تستعيد البنوك ديونها وأن تبحث عن آليات أفضل لتدبير المخاطر، فمن المشروع بالقدر نفسه أن يطالب المواطن بالشفافية وبمعرفة حقوقه وبمحاسبة كل من يتجاوز حدود القانون
إن الاختبار الحقيقي لهذا الإصلاح لن يكون عدد الديون التي ستباع، ولا حجم الاستثمارات التي ستجذبها السوق، بل قدرة المغرب على التوفيق بين استقرار مؤسساته المالية وحق المقاولات في التمويل وكرامة الأسر وضمانات العدالة والإنصاف، ففي نهاية المطاف، الدين رقم في دفاتر البنك، لكنه بالنسبة إلى المواطن قد يكون منزلا مهددا أو مشروعا مهددا بالإغلاق أو سنوات من العمل والادخار، ومن هنا تبدأ مسؤولية التشريع ورقابة المؤسسات وواجب الصحافة في مساءلة السياسات الاقتصادية دون تهويل أو تبرير مسبق



