أخبار عاجلةالدين و الحياة

مآذن المحاميد الموؤودة.. حين تُغلق أبواب السماء في وجه “المسجد العتيق” بمراكش

** يوسف البهجة

ثمة أمكنة لازالت تسكن في تجاعيد الذاكرة وتقاسيم الحياة والزمن واوتار القلوب وهمسات الروح ، وتهتزّ لها، و”المسجد العتيق” الرابض في خاصرة حي المحاميد بمقاطعة المنارة في مراكش، هو مرفأ روحي عتيق، وميناء طمأنينة رَسَت عنده سفن إيمان أجيال تعاقبت وتمازجت دماء آبائها وأجدادها منذ عام 1945

هذا الصرح المهيب، الذي طالما ضمّ بين جنباته شتات أكثر من ألف مصلي، كان بمثابة الشريان التاجي الذي يضخ السكينة في جسد الحي، وملاذه الأخير من صخب مادية الفناء وضجيج التيه اليومي، لكن، وعلى حين غرة، وفي مشهد تراجيدي باغت النفوس، تحولت هذه المنارة الشامخة إلى “مساحة زمكانية صامتة” موصدة الأبواب، وكأنّ عقارب الزمن الذي شيد هذا المكان قد توقفت فجأة عن الدوران، تاركة خلفها علامات استفهام حائرة تنبت في أزقة الحي الحزينة كالعشب البري:

بأي حقّ تصادر خلوتنا الروحية خلف أسوار من الغموض المطبق؟

وكيف لعمارة الطين والحجر أن ترتدي ثوب الصمت، تاركة الروح البِكر في عزلة موحشة لا تستسيغها الفطرة الإنسانية؟

إن هذا الإغلاق “المباغت” الذي هبط كالصاعقة على قلوب المصلين دون لوحة إرشادية تلوح في الأفق تشرح طبيعة الترميم، أو تضع جدولا زمنيا يطفئ لظى الانتظار، أو حتى تسمّي الجهة المسؤولة عن هذا الورش، يطرح إشكالية كبرى تتجاوز في عمقها الجوانب التقنية والهندسية، لتلمس قدسية “الحرمة” وقيم “المصلحة العامة”، ولذلك فإن غياب المعلومة في هذا السياق بترٌ لجسور الثقة؛ فهؤلاء المصلون الذين نمت أرواحهم بين هذه السواري لثمانية عقود، يرفعون أصواتهم بحق دستوري يكفل ضمن هذا وذاك، “الحق في المعرفة”

إن الفلسفة الإدارية الحديثة تفرض وضوحا ناصعا، فحينما تغلق مؤسسة دينية وازنة بهذا الحجم، يصبح الإفصاح عن الأسباب وبث الطمأنينة واجبا أخلاقيات قبل كل شيء ويستوجب التقدير والاحترام لمشاعر الناس، لا سترا يسدل ليغذي التأويلات ويفتح الأبواب لرياح الشكوك

بيد أن الوجع الأكبر الذي يعتصر أفئدة الساكنة في المحاميد، والشرخ الذي أدمى هدوءهم، لا يكمن فقط في تعطل المرافق أو مشقة البحث الفجائي عن مساجد بديلة نأت بها المسافات، لكن، في ذلك “الصمت الجنائزي” الذي خيم على المئذنة.

و استفهامات الساكنة تطرحها بمرارة تملأ الحناجر: إذا كان جسد المسجد الترابي يحتاج إلى علاج وترميم، فهل يحتاج صوته السماوي أيضا إلى تكميم؟ إن الأذان في وجدان هذه الأمة هو “توقيت روحي كوني” يضبط إيقاع الحياة اليومية، ويمنح الفضاء هويته وملامحه الوجودية، إن بقاء صوت الاذان أخرس صامت كصمت القبور، يورث الساكنة شعورا باليتم الروحي والقطيعة القسرية مع إرثهم التاريخي، فبأي منطق تحرم البيوت من تراجيع “الله أكبر” التي كانت طالما صمام أمانهم العاصم من لوثة الماديات؟

نحن لا ننكر، ولا يمكن للبيب أن ينكر، أن صيانة الحجر وحفظ البنيان حق أصيل للمكان ليظل صامدا في وجه عاديات الزمن للأجيال القادمة، لكننا نصرخ بأعلى صوت بأن ترميم “العمارة” لا يجب أبداً أن يقترف خطيئة اغتيال “العمران الإنساني”

إن هذا المسجد الشاهد على أسرار السنين ينتظر اليوم من القائمين على الشأن الديني والمحلي بمقاطعة المنارة التفاتة مسؤولة تُعيد الأمور إلى نصابها؛ التفاتة تبدأ بالشفافية المطلقة عبر وضع لوحة إشهارية واضحة تفك طلاسم هذا الإغلاق وتحدد سقفا زمنيا للأشغال، وتمرّ عبر اجتراح حل تقني عاجل يبقي على حبال الأذان ممدودة بين الأرض والسماء، فليس من المروءة في شيء أن نصلح “البيت” ونحرم العباد من “نداء رب البيت

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button