
تشهد كواليس الملف الصحراوي تحركات أمنية وسياسية جزائرية متسارعة، تجاوزت حدود الدعم الدبلوماسي التقليدي لتصل إلى مرحلة “التحصين القانوني والأمني” للقيادات النوعية في جبهة البوليساريو، وتشير التقارير الميدانية المتقاطعة إلى أن السلطات الجزائرية شرعت في تنفيذ خطة استباقية تقضي بمنح الجنسية الجزائرية لشرائح محددة جدا من التنظيم، وهي العملية التي تأتي في توقيت حساس يتزامن مع تحولات جيوسياسية كبرى، أبرزها العودة القوية للإدارة الأمريكية وتصاعد الضغوط الدولية لإنهاء النزاع المفتعل
إن القراءة العميقة لهذه الخطوة تكشف أنها لا تستهدف اللاجئين أو القيادات السياسية التي تنشط في الواجهة، بل تركز حصرا على “النواة الصلبة” أو ما يمكن تسميته “خزنة الأسرار”؛ وهم القادة العسكريون الميدانيون، وعناصر النخبة في الأجهزة الاستخباراتية التابعة لمليشيات البوليساريو ، وأولئك الذين أشرفوا على ملفات حساسة تتعلق بالتسليح والمساعدات الإنسانية والعمليات العابرة للحدود في منطقة الساحل
هذا الانتقاء الدقيق يشي برغبة جزائرية في قطع الطريق أمام أي احتمال لعودة هؤلاء إلى المغرب في إطار تسوية مستقبلية، مما قد يحولهم إلى “شهود ملك” يمتلكون تفاصيل دقيقة حول طبيعة العلاقة العضوية التي ربطت المخابرات الجزائرية بجمهورية السراب “البوليخاريو” على مدار عقود
علاوة على ذلك، فإن تسارع وتيرة التجنيس يترافق مع عملية “تطهير وثائقية” واسعة، شملت نقل الأرشيف السري للجبهة من مخيمات تندوف إلى ثكنات عسكرية في العمق الجزائري
هذا الإجراء يهدف بوضوح إلى طمس المعالم المادية لأي تجاوزات أو عمليات مشتركة، وضمان بقاء “الكتلة الحرجة” من المعلومات تحت السيطرة السيادية المباشرة للجيش الجزائري، ومن الناحية الاستراتيجية، تعكس هذه التحركات استشعارا جزائريا بقرب “لحظة الحقيقة” التي قد تفرضها المتغيرات الدولية، حيث تسعى الجزائر من خلال “جزأرة” هذه القيادات إلى تحويلهم من أطراف في نزاع إقليمي إلى مواطنين جزائريين يتمتعون بالحماية القانونية للدولة، مما يمنع ملاحقتهم دولياً أو استجوابهم في سياق أي حل سياسي شامل قد يفضي إلى تفكيك الهياكل الحالية للجبهة
و يبدو أن الجزائر بدأت فعليا في رسم معالم مرحلة “ما بعد البوليساريو”، ليس من خلال التخلي عن الملف، بل عبر استيعاب “عقله المدبر” داخل نسيجها المؤسساتي
إنها عملية احتواء استباقية تهدف إلى إغلاق “الصناديق السوداء” نهائيا، خوفا من أن يؤدي أي انهيار مفاجئ للمخيمات إلى تسرب معلومات قد تضع صانع القرار في الجزائر أمام مسؤوليات قانونية وأمنية دولية جسيمة، خاصة مع ظهور مؤشرات على أن المجتمع الدولي بات يضيق ذرعاً باستمرار حالة “اللاسلم واللاحرب” في المنطقة



