بنجرير/مصطفى الابيض
لطالما ظل العقار في المتخيل الاقتصادي المغربي “وعاء” ساكنا، لكن ما شهدته جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بابن جرير مؤخرا، من نقاشات قانونية معمقة، نقل هذا الملف من خانة “الأصول الجامدة” إلى مرتبة “الرافعة السيادية” التي تحدد مصير الاستثمار في جهة مراكش-آسفي، بل وفي المملكة قاطبة. فالمعادلة التي طرحت بجرأة في ندوة “العقار والاستثمار” تتجاوز مجرد البحث عن أمتار مربعة لإقامة المشاريع؛ إنها تتعلق بصياغة “عقد ثقة” جديد بين المستثمر والدولة، قوامه الأمن القانوني والنجاعة القضائية
إن الحديث عن جلب الاستثمار في ظل تعقيدات العقار غير المحفظ، أو تداخل الصلاحيات الإدارية، يظل ضربا من الترف الفكري ما لم يتم تحصين هذا الوعاء بترسانة قانونية “آمنة” وقضاء “ناجز”، ولعل الرسالة الأقوى التي انبعثت من إقليم الرحامنة هي أن “الأمن العقاري” ليس ترفا مسطريا، بل هو الضمانة الوحيدة لمواجهة المضاربة التي تقتل روح المبادرة، وتحويل الأراضي السلالية من أرصدة معطلة إلى أوراش منتجة تدمج ذوي الحقوق في الدورة الاقتصادية، مع انتصار لافت للمقاربة الحقوقية من خلال تمكين النساء السلاليات
لقد وضع القضاء، بمختلف تفرعاته الإدارية والابتدائية، النقاط على الحروف؛ فالمستثمر لا يبحث فقط عن الأرض، بل يبحث عن “الاستقرار”. والاجتهاد القضائي اليوم مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بأن يكون “حمائيا” لا “عرقلتيا”، موازنا بين حقوق الجماعات السلالية وبين ضرورة التثمين الاقتصادي للمجال،إن فلسفة “قضاء المستعجلات” والرقابة على القرارات الإدارية، التي نوقشت باستفاضة، تعكس وعيا مؤسساتيا بأن الزمن القضائي هو جزء لا يتجزأ من الزمن الاستثماري
في نهاية المطاف، تظل تجربة “ابن جرير” نموذجا ملهما لكيفية تحويل التحديات العقارية إلى فرص تنموية. فبناء “دولة اجتماعية” قوية يبدأ من تطهير الأوعية العقارية وجعلها متاحة للابتكار والمشاريع العابرة للقارات، إنها معركة “الأثر الملموس” التي لا تقبل الحلول الترقيعية، بل تستوجب رقمنة المساطر وتوحيد الرؤى بين الإدارة والقضاء، ليظل العقار جسرا للعبور نحو المستقبل، لا عائقا في طريق التنمية