**رحال رحاني
في الوقت الذي تصدح فيه المنابر الرسمية ببرامج إصلاح المنظومة التربوية وتجعل من التعليم الأولي حجر الزاوية لبناء مغرب المستقبل، تصدمنا الحقيقة المرة القادمة من قلعة السراغنة، حيث يجد مربو ومربيات هذا القطاع أنفسهم بين مطرقة المهام الجسيمة وسندان الهشاشة الممنهجة، إن خروج هذه الفئة للاحتجاج أمام المديرية الإقليمية، ضدا على لغة التهديد بالفصل والوعيد بقطع الأرزاق، ليس مجرد حراك فئوي عابر، بل هو إدانة صريحة لنموذج تدبيري يقدس “الأرقام” ويهين “الإنسان”
فمن المفارقات الصارخة أن يعهد لهؤلاء المربين بمهمة غرس القيم الأولى وبناء اللبنات المعرفية لشخصية الطفل، بينما تسلب منهم أبسط مقومات الكرامة المهنية، من أجور هزيلة لا تقوى على مواجهة التضخم، وعقود هشة تجعل مستقبلهم المهني معلقاً بمزاجية المشغل، وغياب تام لضمانات الحماية الاجتماعية التي تحفظ ماء وجههم
إن الإصرار على إبقاء هذه الفئة في “منطقة رمادية” خارج سلك الوظيفة العمومية، يضرب في مقتل كل ادعاءات الجودة التي تتبناها الوزارة الوصية؛ فكيف يستقيم عقل بانتظار مردودية عالية من أطر تعيش قلقا وجوديا يوميا حول لقمة عيشها؟ إن ما يقع اليوم في قلعة السراغنة هو كشف لزيف السياسات التي تراهن على النهوض بالمدرسة العمومية بينما تبقي على “جنود الخفاء” في وضعية سخرة عصرية، تحت رحمة جمعيات أو وسطاء، بعيدا عن الاستقرار الذي يضمنه الإدماج الفعلي
إن مطلب الإدماج لم يكن يوما ترفا أو امتيازا، بل هو استحقاق وطني وأخلاقي تفرضه طبيعة الرسالة التربوية، فالمربي المستقر نفسيا وماديا هو الوحيد القادر على إنتاج جيل سوي لذا، فإن صرخة الكرامة التي تتعالى اليوم هي دعوة صريحة لإنصاف هذه الشغيلة ووقف سياسة الترهيب الإداري، لأن إصلاح التعليم يبدأ أولا برد الاعتبار لمن يضعون حجر أساسه، لا بتهميشهم وتركهم على هامش الحقوق والمواطنة المهنية