
**مصطفى الابيض
إن الموقف المغربي المتمثل في الانتقائية الصارمة لطلبات الدعم الدولي إبان الكوارث لا يمكن قراءته ضمن سياق “الاحتياج” المادي أو التقني فحسب، بل هو إعلان صريح عن ولادة “عقيدة سيادية” تتجاوز المفهوم التقليدي للإغاثة، إن الخلفية الاستراتيجية لهذا التوجه تكمن في رغبة الدولة في إثبات “الرشد المؤسساتي”، حيث يعتبر المغرب أن إدارة الكارثة هي الاختبار الحقيقي لهيبة الدولة وقدرة أجهزتها، كالقوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية، على التحرك في تضاريس معقدة دون السقوط في فخ “التبعية اللوجستية” التي غالبا ما تتبعها تبعية في القرار السياسي، هذا النهج يقطع الطريق أمام ما يمكن تسميته بـ “دبلوماسية الكوارث”، حيث تحاول بعض القوى الدولية استغلال الجروح الإنسانية لتحقيق اختراقات ديبلوماسية أو فرض وصاية ناعمة، وهو ما يفسر رفض الرباط لبعض العروض التي تحمل في طياتها “استعلاء تاريخيا” أو محاولة لترميم علاقات متوترة من بوابة المساعدات، من جانب آخر، يستبطن هذا الموقف قراءة تقنية دقيقة تحذر من “الاختناق الإغاثي”؛ فكثرة المتدخلين الأجانب دون تنسيق مركزي صارم تحول مناطق الكوارث إلى ساحات للفوضى التنظيمية وتضارب الصلاحيات، مما يعيق جهود الإنقاذ الوطنية بدلا من تسريعها
كما أن المغرب، من خلال استراتيجية “الاعتماد على الذات”، يرسخ صورته كقوة إقليمية صاعدة قادرة على تدبير شأنها الداخلي بكرامة وندية، مرسلا رسالة للعالم بأن المساعدة الحقيقية هي التي تطلبها الدولة المضيفة وفق احتياجاتها المرصودة، لا التي تفرض عليها كأمر واقع لخدمة أجندات إعلامية خارجية، إن الاستشراف المستقبلي لهذا التوجه يؤكد أن المغرب يبني “نموذجا سياديا” يرفض تحويل الكارثة إلى فرصة للتدخل الأجنبي، مفضلا الصمود بموارد وطنية وتحالفات مختارة بعناية، لضمان أن تظل إعادة الإعمار والتدبير الميداني عملية “مغربية خالصة” تعزز اللحمة الوطنية وتصون القرار السيادي من أي مساومة
لم يكن قرار الرباط بالتعامل “الانتقائي” مع عروض المساعدات الدولية عقب زلزال الحوز مجرد إجراء تنظيمي عابر، هو كان تجسيدا لقطيعة إبستيمولوجية مع مفهوم “الدولة الهشة” التي تفتح أجواءها وبرها لكل من هب ودب عند أول اهتزاز أرضي، إن العمق التحليلي لهذا الموقف يكشف عن استراتيجية “الندية السيادية” التي ينهجها المغرب؛ فالقيادة المركزية تدرك أن قبول المساعدات العشوائية هو، في جوهره، قبول بفتح “ثغرات سيادية” قد تستغل لتمرير أجندات ناعمة أو لفرض صورة نمطية تظهر الدولة في موقف العاجز
ومن منظور استخباري وإعلامي دقيق، يعلم المغرب أن تدفق مئات الفرق الأجنبية يعني بالضرورة فقدان السيطرة على “السردية” الميدانية، حيث تتحول الكارثة إلى مادة للاستهلاك الإعلامي الغربي الذي غالبا ما يركز على مكامن النقص بدلا من جهود الإنقاذ
من هنا، جاء الرفض ليكون بمثابة “فلترة سياسية” تفرق بين التضامن الإنساني الصادق وبين “الانتهازية الدبلوماسية”،لقد أثبتت التجربة المغربية أن إدارة الكارثة بالموارد الذاتية هي أقصى درجات السيادة؛ فهي تمنح الدولة حرية الحركة في مناطق حساسة استراتيجيا، وتمنع تحول القرى المتضررة إلى مختبرات لتجارب المنظمات الدولية، هذا التعفف عن قبول المساعدات “الملغومة” بالسياسة هو في الواقع استثمار في “الهيبة الدولية”؛ فالدولة التي ترفض أن تكون ساحة للمزايدات الإنسانية هي دولة تفرض على الآخرين احترام خطوطها الحمراء، وتؤكد أن “الكرامة الوطنية” لا تقبل القسمة على المساعدات العينية، إنها رسالة واضحة لكل القوى التقليدية: إن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وأن تدبير الأزمات هو شأن سيادي يدار من الرباط، وبأيدي المغاربة، ووفق توقيتهم الخاص، بعيدا عن ضجيج الطائرات التي تحمل مع الدواء




