
♦مصطفى الـأبيض
في المجتمعات التي تحاصرها الرداءة، قد تكتشف أن أكبر المصائب ليست في الجهل العام، بل في “أمية المفكر” و”غباء المثقف”، تلك الثنائية السوداء التي تحولت إلى مشهد كاريكاتوري قاتم، حيث يتصدر المنابر من لا يجيد قراءة الواقع، ويتصدر النقاش كل من يعرف النهاق والتنهاق.
أميّة المفكر لا تعني أنه لا يعرف القراءة والكتابة، بل تعني أنه فاقد للرؤية، يحمل لقب “مفكر” ويقدم نفسه كمنارة، بينما هو لا يرى أبعد من ظل أنفه. يعيش في قوالب مستهلكة، يعيد إنتاج مفاهيم بالية بثوب نظري أنيق، لكنه عاجز عن إنتاج فكرة حية واحدة تربط الفكر بالناس،بنبض الواقع.
هو مفكر يجيد التنظير ولا يفهم الحياة، يتحدث عن “الوعي الاجتماعي” وهو لم يختلط يوما بالجمع ولا بالمجتمع، يكتب عن التغيير وهو يتنعم في برج عاجي لا يرى منه سوى العتمة.
أما غباء المثقف، فهو ذلك النوع من الغباء المغلف بشواهد جامعية، وألقاب أكاديمية، وقاموس لغوي منمّق، مثقف يحفظ أسماء الفلاسفة، لكنه لا يعرف الفرق بين سؤال الوجود وسؤال الخبز، يحفظ مقولات فوكو ونيتشه، لكنه لا يفهم جاره العاطل ولا طفل الحي الذي يبحث عن كتاب مدرسي مستعمل،
غباء المثقف يتجلى حين يظن أنه متفوق على الناس، بينما الحقيقة أنه منفصل عنهم كليا، يتعامل مع الشعب كـ”مادة خام”، يتذاكى على البسطاء، بينما هو عاجز عن تبسيط فكرة واحدة بلغة مفهومة.
نحن أمام طبقة من النخبة بلا مشروع، بلا بوصلة، بلا أثر، نخبة تتقن لعبة الكلام ولا تنتج أي تغيير.
في زمن الأزمات، لا نحتاج إلى مفكر غارق في الأرشيف، ولا إلى مثقف مشغول بحساب عدد متابعيه على تويتر. نحتاج إلى وعي حي وفكر نافع، ومثقف يترجم المعاناة إلى موقف
أما هؤلاء الذين يزاوجون بين “أمية المفكر” و”غباء المثقف”، فهم فقط مجرد ديكور هش في مسرحية الرداءة الكبرى، حيث يتكلم الجميع… ويفهم لا أحد.



