في واحدة من أجمل تجليات الأغنية الأمازيغية المغربية، يُطلّ علينا الراحل محمد رويشة بتحفته الخالدة “إناس إناس”، حيث يتحول اللحن إلى بكاء صامت، والكلمة إلى أنين عميق، والعود إلى قلب يئنّ من جور الزمان.
هذه الأغنية ليست مجرد شجن عابر، بل مرآة ناطقة بأحوال الإنسان المغربي البسيط، المُهمَّش، الذي يُناجي الزمان والدنيا والفقر والحب، ولا يجد ملاذًا إلا في صوته.
“ما عساي أفعل للزمان؟” سؤال وجودي يكرره رويشة كمن يبحث عن جواب في الريح، في الجبل، في حضنٍ لم يعد موجودًا، الأغنية تصرخ ضد فقر يقتل الكبرياء، ضد دنيا لا تنصف، ضد زمان لا ينتظر، وضد حبٍ تمنعه المسافة والظروف، وفي خضم هذا الوجع، يعلو نداءٌ حنون: “يا أبي…”، كأن الفنان يعود إلى الجذر، إلى الأصل، بحثًا عن أمان ضائع.
بكلمات أمازيغية عميقة، وبصوتٍ شجيّ يشقّ السكون، صاغ رويشة أغنيةً تتجاوز الفن لتُصبح وثيقة إنسانية، وصوتًا خالدًا لكل من عاش القهر بصمت، ولكل من قال في لحظة انكسار: إناس إناس….
“إناس إناس” ادن، ليست مجرد أغنية شعبية، بل هي قصيدة وجودية تنزف، صوت داخلي يحاور العدم، مرثية إنسان يعيش الهامش ولا يملك إلا صوته… وصوت رويشة هنا لم يكن فقط صوتًا موسيقيًا، بل صدىً للكرامة الجريحة، صدىً لكل من صمتوا من شدّة الألم.