أخبار

فندق بالعرائش يتحول إلى ملاذ للقلوب قبل الأجساد: ملحمة تضامن تكسر طوق الفيضان

#مصطفى #الآبيض

​في لحظات الشدة التي تختبر معادن الرجال وتكشف عن عمق الروابط الإنسانية، تبرز قصص التضامن لتضيء عتمة الكوارث الطبيعية، تماما كما حدث في المبادرة الاستثنائية التي أقدم عليها أحد المحسنين بمدينة بالعرائش، ففي الوقت الذي كانت فيه السيول تجتاح أحياء مدينة القصر الكبير المجاورة، مخلفة وراءها خسائر مادية فادحة وعائلات وجدت نفسها بلا مأوى تحت وطأة البرد والمطر، جاء القرار بفتح أبواب فندق بأكمله حيث كان أول ساعات افتتاحه كان لاستقبال المتضررين، في خطوة تتجاوز مجرد العمل الخيري التقليدي لتصبح درسا في المواطنة الحقة

هذا الفعل النبيل لا يقتصر أثره على توفير سقف جدران تقي من قسوة المناخ، بل يغوص عميقا في مفهوم “الأمن النفسي” للمواطن، حيث تحول الفندق من مؤسسة تجارية تهدف للربح إلى ملاذ آمن يعيد كرامة الإنسان في لحظات انكساره أمام قوة الطبيعة

​إن تحليل هذه الالتفاتة يكشف عن وعي جمعي متجذر في الوجدان المغربي، حيث تذوب الحدود الإدارية بين العرائش والقصر الكبير لتلتحم في وحدة وجدانية تعكس مفهوم الجسد الواحد. فالمواطن الذي وهب فندقه لم يضع شروطا ولم ينتظر تعويضا، بل جعل من مرافق الإيواء حقا مشاعا لمن تقطعت بهم السبل، وهو ما يضعنا أمام نموذج يحتذى به في كيفية إشراك القطاع الخاص كشركات اجتماعية والفاعلين الاقتصاديين في تدبير الأزمات والكوارث

هذا النوع من التكافل يرفع الحرج عن كاهل المؤسسات الرسمية ويخلق توازن اجتماعيا يمنع تفاقم المآسي الإنسانية، محولا الأزمة من “محنة” إلى “ملحمة” تضامنية تبرز فيها قيم الإيثار في أبهى صورها

إن ما قام به هذا المحسن وأخيه هو رسالة صامتة بليغة الأثر، تؤكد أن التضامن ليس مجرد شعارات سياسية ترفع من أجل كراسي دنيوية زائلة، هو ممارسة ميدانية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار وسخاء في العطاء، وهو ما سيبقى محفورا في ذاكرة أهل القصر الكبير كبارقة أمل وسط الركام والفيضان

​وتأتي هذه الخطوة تجسيدا حيا لقوله تعالى: “مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”، فالفندق الذي فتح اليوم لاستقبال المحتاجين هو تلك الحبة التي ستثمر بركةً في المال، وذكرا حسنا في الدنيا، وأجرا مضاعفا عند الله، لتظل هذه الواقعة شاهدا على أن معدن هذا الوطن لا يزداد إلا لمعانا في وقت الأزمات

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button