في عمق الزقاق المنكسر بمدينة القصر الكبير، لم يكن البكاء مجرد تعبير عن لحظة عابرة، هو كان انفجارا لوعي جماعي يدرك أن “الكارثة” ليست دائما هي التي تأتي من السماء أو من باطن الأرض، بل هي تلك التي تولد من “جشع” الإنسان حين يسقط قناع التضامن
إن الصرخة التي أطلقتها إحدى المواطنات، وهي تغالب دموعها بين صدمة النزوح وضيق ذات اليد، تضعنا أمام مرآة اجتماعية كاشفة؛ حيث تتحول الأزمة من مجرد “حدث طارئ” إلى “سوق سوداء” للمتاجرة بالألم، حين تتحدث هذه السيدة بكل حرقة عن بلوغ إيجار مسكن بمدينة طنجة عتبة 4000 درهم في ليلة وضحاها، معرية ظاهرة “الانتهازية العقارية” التي تقتات على ذعر العائلات المذعورة أصلا من وقع المباغتة
هذه المفارقة تضع العقد الاجتماعي المغربي، المعروف تاريخيا بصلابته في المحن، أمام اختبار حقيقي، فكيف يمكن لـ “النازح” الذي تقطعت به السبل أن يواجه غلاءً مصطنعا في وقت جفت فيه حتى منابع السيولة في الشبابيك البنكية بالمدينة؟
إن مشهد تعطل الخدمات المالية هو “حبس للأنفاس” يزيد من وطأة العجز، ويجعل المواطن يشعر بأنه محاصر بين مطرقة الخطر الطبيعي وسندان الشلل اللوجيستي، إن الاستغاثة التي وجهتها هذه المرأة لـ “الإخوة” لم تكن استجداء للمونة، بقدر ما كانت محاكمة أخلاقية لكل من استغل غياب البدائل لرفع الأسعار، وهي تذكير صارخ بأن “دار الإيواء” الممتلئة والملابس المفقودة ليست هي الأزمة الحقيقية، بل الأزمة هي في انفصال البعض عن الروح الجماعية للمغاربة التي تتجلى عادة في التفاني لا في الاستنزاف، هذا النداء، بكل ما يحمله من إيمان وتسليم بقضاء الله، يل صرخة في وجه “تجار الأزمات”،
مؤكدا أن الحماية الاجتماعية والأمن الروحي يظلان الحصن الأخير للمواطن، وأن الدولة، رغم قيامها بالواجب، تظل في حاجة إلى جبهة داخلية قوامها الرحمة لا الربح، لكي لا يضطر طفل مخلوع في القصر الكبير لمواجهة عراء الطريق وجشع النفوس في آن واحد.