في لوحة زمنية تشبه تفصيلات من كتب السماء، وحين اهتزت الأرض تحت أقدام أهل القصر الكبير، لا بزلزال من باطنها، بل بفيضان من مائها، كان هناك من أضاء قناديل الأمل في سواد الليل، فما قام به هذين المواطنين مالكا الفندق بالعرائش، و ربي لهو إزاحة لستارِ الغفلة عن جوهر الإنسان، وإيقاظا لنداء الفطرة التي تأبى أن ترى أخاها يصارع الأمواج دون يد تمتد إليه بالعون والمساعدة، فما قاما به لم يكن وهبا لفندق أو عقار، بل كان وهبا لـ”الأمان” الذي لا يباع ولا يُشترى، ولـ”السكينة” التي تتبعثر في عاصفة الفقدان
كانا كالغيمتين المعطاءتين اللتين لا تنتظران شكرا ولا ثناء، تمطران كرمهما على أرض عطشى، لا من جفاف هذه المرة، بل من غرق
فندقهما، الذي كان قبلا مجرد بناء حجريّ يضم غرفا وأروقة، تحول في لحظة سماوية إلى “سفينة نوح” عصرية، حملت بين جنباتها أرواحا كادت تغرق في عواصف اليأس، لعملها هذا كان “بذرة خلود” غرست في تربة الإحسان، تنتظر أن تزهر سنابل من الثواب الذي لا تحصيه عدادات البشر، إنها رسالة بليغة تعلّمنا أن قيمة الأشياء ليست في ملكيتها، بل في قدرتها على أن تتحول إلى جسور تعبر بها النفوس من ضفةِ المحنة إلى شاطئ الأمل
وفي هذا المشهد المهيب، لا يمكن أن نستدعي غير تضرع الخليل إبراهيم عليه السلام حين أشار إلى البيت الحرام: “ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم”، فالمواطنان الكريمان، بوهبهما هذا، أقاما “صرحا من التضامن” بنيت أساساته على الإيثار، وسقفه من الرحمة، وحيطانه من الكرم
هو عمل لا يفسر بالمنطق التجاري، بل بمنطق الإيمان الذي يرى في كل محتاج وجها لله، وفي كل ضائقة فرصة لمد يدِ العون، إنهما، بهذا الفعل، قد سطرا في سجل التاريخ اسمين لن يطويهما النسيان، وقصة لن يمحوها غبار الزمن والوقت ، وسيبقيان كمنارتين تضيئان درب الخير لمن أراد أن يقتفي أثرهما في زمن قل فيه المعين وكثرت فيه الابتلاءات