
#فريق #الأخبار
بين قضبان العزلةِ في ضواحي “طوكيو”، حيث الوقت يمر ثقيلا كمأتم لا ينتهي، تولد تراجيديا صامتة تختزل وجع الوجود في جسد صغير لم يعرف من الحياة سوى طعمِ الهجران
هناك، في حديقة حيوان “إيتشيكاوا”، يرتسم مشهد يمزق نياط القلوب؛ القرد الصغير “بانش”، الذي نبذته أمه عند أول صرخة له قبل سبعة أشهر، ليجد نفسه وحيدا في مواجهة فراغ كوني لا يرحم، لم يجد هذا اليتيم المكسور صدرا يحميه من صقيعِ اليتم سوى دمية محشوة بالقطن، كائن أصم صار هو العالم، والأهل والوطن والحياه
في محراب هذا الفراغ الموحش، يقف “بانش” شاهدا حيا على جرح لا يندمل، حاملا في أذرعه المرتجفة جثة من قطن، كأنما يحمل بقايا روح تهشمت على صخرة واقع مرير مرارة العلقم وأشد ، هو روح تائهة في برزخ الفقدان، تحاول أن تعتصر من جماد النسيج قطرة حياة، وتنفخ في خيوط البؤس دفء أمومة سرقت قبل أن تبدأ، إن نظرات “بانش” الغائرة ليست سوى ثقوب سوداء تبتلع الضوء، تروي حكاية اليتم حين يتجسد في عناق يائسٍ لـ “لاشيء”، حيث يصبح الفراء الصناعي الميت هو الملاذ الأخير من صقيع الوحدةِالقاتل
يا وجع الوجود حين يتكثف في قبضة يد صغيرة تخشى أن يفلت منها السراب، فتتشبث بالخيوط كما يتشبث الغريق بنصلِ سكين، مدركا في أعماقه السحيقة أن نبض الدمية ما هو إلا رجعُ صدى لنبض قلبه المنفطر، إنها تراجيديا الكائن الذي وجد في “العدم المحشو” وفاء عجز عنه الأحياء، فأقام صلاته في هيكل الحزن، يغسل بدمع عينيه صمت الدمية الخرساء، وكأنه يعاتب القدر بتلك الضمة التي تكسر القلب؛ ضمة تقول إن الخواء الذي يسكننا أكبر من أن تملأه جبال الأرض
وفي رثاء حاله وحالنا، أقول:
يا شاغل الصمت بالآهات والنحب
ومحضر الموت في ثوب اللعب
تضم قطنا وفي عينيك مقبرة
من دمع حزن ومن تعب
يا “بانش” والكون سجان وقبضته
تلتف حول أرواح ملئ بالكرب
أرأيت كيف يغور العمر في عَدم؟
وكيف يغدو سراب القرب؟
تلك التي في يديك الآن جثتها
خرساء ونبض قلبها في السغب
تقبل الفرو وظنك حي فيه دم
وأن تحت خيوط القماش بعض أبي
أو نبض أم رماها الدهر في أُفق كالمغيب
يا حرقة الكائن المكسور من هلع
يفر من وحشة الأيام للخشب
للقطنِ، للحشوِ، لأشباح يحضنها
خوفا من الوحدة الخرساء في اغتراب




