في مشهدٍ يفيض إنسانية ويختزل معاني الوفاء الفطري، تحولت ممرات إحدى المدارس إلى محراب لجسور الوداد و المحبة والمسؤولية التي لا تعترف بصغر السن؛ حيث تطل علينا تلميذة في الصف الثالث الابتدائي، لم تشغلها ألعاب الفسحة ولا صخب الزملاء عن أمانة تحملها في قلبها الصغير قبل يديها،هذه الطفلة، التي لم تتجاوز ربيعها العاشر، باتت تجسد أسمى معاني التراحم وهي تستأذن معلمتها يوميا لتؤدي نداء الواجب والحنان تجاه أخيها الأصغر في الصف الأول، لتمده اياه جرعة الدواء في وقتها المحدد بكل دقة وحرص
إن هذه الصورة العفوية التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي هي وثيقة تربوية تحكي قصة بيت نجح في غرس بذور التكافل والترابط بين أبنائه، فبينما كان الطفل الصغير ينتظر شقيقته، كانت هي تمنحه ما هو أبعد من الدواء؛ كانت تمنحه الطمأنينة، وتحيطه برداء الحماية الذي لا يتقنه إلا من تربى على أن العائلة هي السند والملاذ
إن انضباط هذه الصغيرة وحرصها الشديد على موعد الجرعة يعكس نضجا مبكرا ينم عن تربية صالحة وجديرة بالثناء، فهنيئا لوالدين استطاعا صياغة هذه الشخصية القيادية والحنونة في آن واحد، وبارك الله في أمٍ جعلت من ابنتها “أماً ثانية” في غيابها
وفي الوقت الذي تقف فيه الكلمات عاجزة عن وصف نظرات الفخر التي ستلازم هذا الأخ تجاه شقيقته مدى الحياة، يبقى الدعاء هو مسك الختام لهذه القصة الملهمة، سائلين المولى عز وجل أن يمنّ على الصغير بالشفاء العاجل، وأن يحفظ هذه الطفلة لتكون فخرا لوطنها وأهلها، وتظل أيقونة حية تذكرنا بأن الإنسانية تبدأ من تفاصيل صغيرة، لكنها بعمق الجبال