
**مصطفى الابيض
في لحظة فارقة، انكسر صمت الجفاف الطويل تحت وقع غيث غزير لم يمهل الأرض وقتا لامتصاصه، فانقلب المشهد من ترقّب المطر إلى مصارعة الفيضانات في الشمال، ومكابدة بياض الثلوج في قمم الأطلس. ما تشهده مدن وقرى مغربية، من القصر الكبير شمالا إلى أعالي أزيلال وورزازات، ليس مجرد تقلبات مناخية عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة “الدولة-الأمة” على إدارة المخاطر في زمن اختلال المناخ.
وسط هذا الهدير الطبيعي، برزت تدخلات ميدانية كثيفة أعادت الاعتبار لمعنى الحماية العمومية. مروحيات الدرك الملكي تحولت إلى جسورٍ جوية لفك العزلة عن المناطق المحاصرة، ونقل المؤن وإجلاء الحالات الاستعجالية، فيما رابطت عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية والقوات المساعدة في قلب النقاط السوداء، محوّلين الآليات والأجساد إلى خطوط صدّ أمام جموح الوديان وتدفقات المياه المباغتة
هذا الالتحام بين مختلف المتدخلين لم يكن مجرد تفعيل لبروتوكول الطوارئ، بل ممارسة فعلية لسياسة القرب، حيث يصبح إنقاذ الإنسان أولوية مطلقة تتقدم على الحسابات التقنية والبيروقراطية، وقد أثبتت هذه التدخلات أن المغرب راكم تجربة ميدانية معتبرة في تدبير الأزمات، قادرة على تقليص الخسائر وحماية الأرواح في ظروف بالغة التعقيد
غير أن نجاح التدبير الاستعجالي، مهما بلغت بطولاته، يظل معالجة للأعراض لا للأسباب،فواقع التغير المناخي يفرض انتقالا حاسما من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، التحذيرات الجوية لا ينبغي أن تُستقبل كخبر عابر، بل كمعطى وقائي يومي، يستدعي وعيا جماعيا بمخاطر عبور الأودية، أو السكن في مجاري السيول، أو الاستهانة بالنقاط السوداء التي تتكرر فيها الكوارث
وفي العمق، تظل البنية التحتية الحلقة الأضعف في معادلة السلامة. فلا يعقل أن تبقى قنوات التصريف غير قادرة على استيعاب التساقطات الغزيرة، أو أن تتحول بعض الجسور إلى مصائد مائية، أو أن تعيش مناطق قروية العزلة مع كل موجة ثلج. الحاجة اليوم ملحة إلى ثورة هادئة في التخطيط الترابي، تشمل تقوية الطرق القروية، وتحديث المنشآت الفنية، وإعادة هيكلة أحياء الهامش، مع الاستثمار في عمارة مقاومة للمناخ تحفظ كرامة الإنسان في الجبل كما في المدينة
لقد كانت هذه الأمطار، رغم عنفها، بشرى أنهت قلق العطش، لكنها في الوقت ذاته رسالة إنذار واضحة: الطبيعة تغيّر قواعدها، ومن لا يغيّر أدواته في المواجهة سيظل رهينة الطوارئ،وحده المغرب الذي يجعل من الاستباق ثقافة، ومن المعرفة درعا، ومن البنية التحتية خط دفاع أول، قادر على أن يزهر بالمطر… دون أن يغرق فيه.







