أخباررأيكتاب الرأي

#البعد_الخامس :سادية “الكاوبوي” وفوبيا “المضيف”: حين تصبح اللغة صك استعباد

#مصطفى #الآبيض

بين صلف “الكاوبوي” الذي يجسده دونالد ترامب وهو يلوح بسوط لغته في وجه صحفية فرنسية تعثر لسانها بلكنة هجينة، وبين “التاجر” المغربي الذي يطوع لسانه وجسده وتاريخه ليرضي سائحا عابرا، تكمن فجوة نفسية هائلة لا تتعلق باللغة كأداة تواصل، بل كأداة سيادة

إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما يصر الأجنبي على أن يكون لسانه هو القبلة التي يولى شطرها في كل محفل، نمارس نحن نوعا من “التشيع اللغوي” والسلوكي لضيف لم يكلف نفسه مشقة تعلم مفردة ترحيب واحدة بلغة أهل الدار

إن السخرية الترامبية من الصحفية الفرنسية، رغم وقاحتها الدبلوماسية، تحمل درسا قاسيا في “الأنانية السيادية”؛ فهي تقول إن اللغة هي الحدود، ومن عجز عن عبور حدودي بطلاقة فهو غير مرئي، وبنبرة ساخرة نافخة للأوداج، يمارس رياضة “الخطيئة السيادية”: “في حضرتي، إما أن تنطق بلساني أو تخرس”

وعلى الضفة الأخرى، ينقلب المشهد في أزقتنا إلى كوميديا تراجيدية، حيث نرى “مول الحانوت” أو الشاب البسيط يتحول فجأة إلى “ببغاء” لغوي، يلملم شتات كلمات ركيكة ليرضي سائحا لم يكلف نفسه مشقة تعلم كلمة “شكرا”، هذا الانبطاح الذي نغلفه برداء “الكرم الحاتمي” ليس في جوهره سوى استمرار لسردية الاستلاب؛ فالمغربي الذي يفتح بيته ومائدته للأجنبي بالمجان، لا يمارس طقسا احتفاليا بالضيف بقدر ما يمارس طقسا لاواعيا لإثبات جدارته بالقبول عند “الآخر”،إنها عقدة النقص التي تحولت إلى ممارسة اجتماعية مقدسة، حيث يعامل السائح كاله إغريقي هبط من جبل الأوليمب،فيما يعامل ابن البلد كخلفية باهتة في مشهد “الضيافة” الفلكلورية

إننا نعيش “متلازمة المضيف المذلول”، حيث يفتح المطبخ والقلب للأجنبي ليس كرما، ربما بحثا عن صك غفران من “الرجل الأبيض”، فنمنحه الأولوية في الطريق وفي السعر على حساب ابن البلد ، ونعتذر له عن لغتنا التي نهجرها لنرطن بلغة لا نملكها ولا تملكنا

لقد تحول الكرم إلى وسيلة للانتحار الرمزي، وبعنا كبريائنا في “تخفيضات” مفتوحة، متناسين أن الاحترام لا ينال بالانحناء، بل بالوقوف على أرض صلبة من الاعتزاز بالذات الضيافة الحقيقية هي التي تستقبل الآخر كند، لا كسيد يعفى من ثمن القهوة ومن مشقة الفهم، بينما يطالب صاحب الأرض بالاعتذار عن هويته في وطن يبدو أحيانا أنه صمم ليرتاح فيه الغرباء ويتعب فيه الأهالي

إن هذا التفاوت القاتل بين غطرسة “هناك” وانبطاح “هنا” يضعنا أمام مرآة مشروخة تعكس تشوها في بنية الوعي التاريخي؛ فمتى ندرك أن الضيف الذي لا يحترم لسانك في عقر دارك لن يحترم إنسانيتك في دارِه؟ وهل نحن حقا شعوب مضيافة بالفطرة، أم أننا مجرد أسرى لنظام لغوي ونفسي قديم، ما زال يرى في الغريب “سيدا” يستحق الانحناء، وفي الذات “عبدا” لا يكتمل وجوده إلا بإرضاء الأسياد؟

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button