
** مصطفى الابيض
تتجاوز الكتب العظيمة كونها مجرد حبر يسكب على ورق بل تتحول حين تكتمل شروطها العلمية والإنسانية إلى أجهزة تنقيب سيكولوجية تستخرج المعنى من ركام الصمت وتصلح الخرائط الذهنية لعوالم ظننا طويلا أنها غير قابلة للاختراق، وفي هذا الأفق التأملي يأتي إصدار الدكتور نوح رابي الموسوم بـ “التحليل السلوكي التطبيقي ABA واضطراب طيف التوحد” ليمثل لحظة فارقة في المكتبة السيكولوجية العربية حيث ينزاح العلم عن كرسيه الأكاديمي العاجي ليمشي بين الناس مدركا أن وراء كل سلوك متوحد رغبة دفينة في الانتماء والوجود.
تتكون البنية البصرية لغلاف الكتاب من لغة سيميوطيقية مكثفة تغوص في عمق الإشكال الفلسفي للتوحد، حيث يظهر وجه الطفل في المركز كظليل منغمس في مساحة مائية من الألوان متداخلة الدرجات بين الأخضر والأصفر والبرتقالي، وإن غياب ملامح الوجه المباشرة هو معادلة بصرية لحالة العزلة النفسية والغموض الذي يحيط بعالم التوحد قبل التفكيك والتأطير العلمي، فيما تتداعى قطع الأحجية الموزعة حول رأس الطفل وجسده لتشكل الثيمة الأساسية للعمل وهي أن عقله وعالمه هما أحجية تنتظر من يمتلك الدليل الصحيح لتركيبها، بينما تحيل الأيقونات والمخططات المرافقة إلى التدخل المنظم الذي يحول الجفاف الرياضي إلى بوابات أمل ملموسة تعيد للطفل حضوره في دفق الحياة.
وإذا كانت الفلسفة التقليدية تجيد التساؤل والوقوف على أطلال الإشكالات فإن التحليل السلوكي التطبيقي الذي يقدمه الباحث الحاصل على الدكتوراه من جامعة القاضي عياض بمراكش يمثل الفلسفة الإجرائية في أبهى صورها، إذ ينقلنا الدكتور نوح رابي من ضجيج التساؤل المأزوم للوالدين إلى بر الأمان المنهجي الدقيق مفككا التعقيد النظرية لنموذج ABA والبرامج العلاجية التكميلية مثل TEACCH وPECS وSon-Rise ومحولا إياها إلى أدوات تطويعية في يد المربي مع إعادة تبيئتها لتلائم الخصوصية النفسية والاجتماعية للأسرة المغربية والعربية الحاضنة.
يقف الكتاب على ستة فصول رئيسية تسبر غور البنية السيكولوجية للأسرة ذاتها متفهمة أن معالجة الطفل لا تبدأ منه وحده بل تنبع من المرونة النفسية التي ينبغي أن تتسلح بها البيئة المحيطة به، وبذلك يبتعد المؤلف عن التقعر اللغوي ليصوغ وثيقة مرافقة إنسانية ومهنية تجعل من قياس السلوك جسرا ناعما تعبر عليه الروح من العتمة إلى الضوء، ليؤكد في النهاية أن التوحد ليس نهاية المطاف بل بداية مسار جديد يحتاج فقط إلى عين بصيرة ويد حانية وعقل مسلح بصرامة العلم



