أخبارمجتمع

الحياد المُغتَال: حين تتحوّل الفضاءات العمومية إلى أدوات للتمييز السياسي

أكادير /لبنى مبسيط

مراسلة متعاونة

في ظل ما يُفترض أنه زمن الشفافية الدستورية والعدالة المؤسساتية، تعود إلى السطح مظاهر تُقوّض جوهر التعددية السياسية وتضرب بعرض الحائط مبدأ تكافؤ الفرص بين الفرقاء الحزبيين، حادث منع لقاء سياسي مشروع لأحد الأحزاب في منطقة أولوز، مقابل الترخيص الميسر لنشاط حزبي آخر داخل فضاء عمومي مغلق في قلب مدينة أكادير، يكشف عن ممارسة لا يمكن قراءتها إلا كمؤشر صريح على انحياز غير معلن، لكنه بالغ التأثير، تتداخل فيه الاعتبارات الإدارية مع التوظيف السياسي للفضاء العام.

هذه الحادثة، بما تحمله من دلالات، لا تقف عند حدود واقعة منع أو ترخيص، بل تنسج خيوطًا مقلقة حول تصور السلطة لمعنى الحياد، ولطبيعة علاقتها بالفاعلين الحزبيين.

فحين يتحول الفضاء العمومي، المفترض أنه ملك جماعي للمواطنين، إلى أداة بيد الإدارة لتحديد من له الحق ومن المقصي، نصبح أمام مشهد يعبّر عن إعادة إنتاج ناعمة للهيمنة، حيث لا تُمارس السلطة بالعنف، بل بالتحكم الخفي في مفاصل الحياة العامة،إغلاق فضاء يحمل اسم أحد رموز النضال الديمقراطي في وجه الساكنة وتحويله إلى ملكية لحظة لفائدة فصيل سياسي يتمتع بسلطة تنفيذية، هو رسالة سياسية بليغة تنسف كل ما تبقى من الحياد الإداري، وتكرّس تفوقًا رمزيًا يجرّد المنافسة السياسية من معناها الأخلاقي والدستوري.

والمقلق في هذا السياق ليس فقط فعل المنع أو الترخيص، بل ما يحمله من مفعول نفسي وسياسي على الفاعلين والمواطنين على حد سواء، إنها لحظة تكثيف لكل المخاوف من عودة أشكال متطورة من التسلط، تتجمل بالخطاب المؤسساتي، لكنها تعيد إنتاج منطق الامتياز السياسي بوسائل جديدة.،وهذا ما يجعل من استدعاء المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان والدستور المغربي ليس ترفًا خطابيا، بل ضرورة أخلاقية لمواجهة التلاعب الخفي بالشرعية الديمقراطية.

لقد بات واضحًا أن الأزمة ليست بين حزب وآخر، بل بين منطق دولة تتعهد بالحياد والعدل، وممارسات تنتمي إلى منطق الانتقاء والتفضيل، وفي هذا التوتر، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويزداد الانطباع بأن اللعبة السياسية لم تعد مفتوحة على قواعد واضحة، بل تُدار من خلف الستار، حيث يتم رسم الحدود بين من يُسمح له بالمشاركة ومن يُدفع إلى الهامش.

وسط هذا المشهد، يرتفع الصوت الحقوقي ليس ليدافع عن حزب، بل عن مبدأ تكافئ الفرص بضمانة دستورية، لأن معركة الفضاء العمومي هي في جوهرها معركة حول معنى المواطنة، وحدود السلطة، وجدوى الدستور. وحين يُختزل هذا الفضاء في وظيفة حزبية مؤقتة، فإن الخطر لا يتهدد فصيلاً سياسياً بعينه، بل النموذج الديمقراطي برمته،فالدولة التي تفشل في ضمان الحياد، تزرع بذور العزوف، وتنقل السياسة من دائرة التنافس إلى مسرح الفرجة، حيث لا ينتظر المواطن سوى ما يُمنح له، لا ما يحق له.

في نهاية المطاف، يصبح الصمت على مثل هذه الوقائع تواطؤًا، ويغدو الصراع من أجل العدالة السياسية واجبًا جماعيًا، لأن الديمقراطية لا تُختزل في لحظة انتخاب، بل تُبنى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي كيفية توزيع الرمزية والفرصة، وفي المعاملة المتكافئة التي تصنع شرعية المؤسسات.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button