أخباررأي

كشمير.. حكاية لم تُروى وصرخة الأرض المحاصرة: متى تتنفس الصعداء؟

المصطفى بعدو

في قلب التوترات المتصاعدة بين الهند وباكستان، تتجلى فصول صراع ضارب بجذوره في أعماق التاريخ والجغرافيا السياسية، متجاوزًا حدود الدولتين ليلامس قضايا الهوية والانتماء، إن المناوشات العسكرية الدورية ليست سوى تجليات سطحية لصدع عميق نشأ مع لحظة الانفصال المريرة لشبه القارة الهندية عام 1947، تاركًا ندوبًا لم تلتئم، تستيقظ مع كل انفجار يهز سماء كشمير.

هذا الإقليم، الذي يجمع بين سحر الطبيعة ولهيب النزاع، يمثل النقطة المركزية في هذا الخلاف المستمر، واقع التقسيم يفرض سيطرة فعلية لدوله على أجزاء منه، يفصل بينهما خط تماس هش لا يفلح في تهدئة العواصف، بل يؤجلها في انتظار قادم الأيام، يدفع سكان الإقليم الثمن الأغلى، محاصرين بين منطق القوة الطاحنة وتطلعات جيوسياسية متنافسة. ترى الهند في كشمير جزءًا أصيلًا من نسيجها الوطني، بينما تعتبرها باكستان أرضًا ذات أغلبية مسلمة سلبت حقها في تقرير المصير، وهو الوعد الذي حملته رياح التقسيم.

لكن جوهر الصراع يتجاوز حدود الإقليم المتنازع عليه، ليضرب في صميم الرؤى المتعارضة للدولتين؛ فباكستان قامت على أساس الهوية الدينية، بينما ارتكزت الهند على مبدأ الدولة العلمانية متعددة الأطياف.

هكذا، تتحول كشمير إلى مرآة تعكس اصطدام الهويات، حيث تتغذى النزعة القومية والتطرف والإرث التاريخي من العداوات، بينما تتضاءل فرص الحلول الدبلوماسية تحت وطأة الحسابات العسكرية الاستراتيجية، كلا الطرفين يجد في تأجيج هذا الصراع وسيلة لتعبئة الداخل وتوحيد الصفوف، وصرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجههما.

غير أن ثمة أسئلة عميقة تلوح في الأفق حول المستفيد الحقيقي من استمرار هذا الوضع القائم، الهند، التي تعزز تحالفاتها مع موسكو، تتحرك في فضاء دولي معقد تحكمه توازنات القوى، بينما تستند باكستان إلى دعم أمريكي يتجاوز إطار العلاقات التقليدية. تتحول أراضي كشمير بذلك إلى ساحة خلفية في لعبة أممية أوسع، حيث يبدو الصراع ثنائي الأبعاد بين دولتين متجاورتين، لكنه في العمق واجهة لتنافس نفوذ بين قطبي عالم ما زال يبحث عن استقراره. وفي خضم هذه التعقيدات، تبدو الأسلحة والقرارات وحتى الحروب مجرد أدوات في يد قوى خفية، تعمل على إدامة حالة من الفوضى المنظمة، وإبقاء جذوة النزاع مشتعلة بما يكفي لضمان استمرار السيطرة لا التوصل إلى تسوية نهائية.

في قاموس الحروب، يغيب منطق الحوار، لكن في كشمير، حتى صمت الجبال يحمل في طياته أنينًا مكتومًا،”الابن” باكستان لا يزال يراقب “الأم” الهند وهي تتمسك بما يعتبره حقًا تاريخيًا ودينيًا وأخلاقيًا، بينما ترى “الأم” في ذلك تهديدًا لوحدتها وسلامة أراضيها، في علاقة يشوبها التوتر وغياب الثقة.

إن هذه المناوشات ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي جزء لا يتجزأ من بنية صراع معقدة، يتجاوز الجغرافيا ليشمل الذاكرة الجماعية والجراح التي خلفها الاستعمار، وبين كل رصاصة وأخرى، تظل كشمير تطلق صرخة صامتة: متى ينتصر صوت السلام على منطق السياسة؟

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button