في قلب إقليم قلعة السراغنة، اهتز دوار أولاد الكرن على وقع فاجعة هزت أركانه الهادئة،طفل لم يبلغ بعد ريعان الشباب، ابن الثالثة عشرة عامًا، اختار أن يضع حدًا لحياته بطريقة مأساوية، تاركًا خلفه صدمة ودهشة في نفوس أسرته الصغيرة ومحيطه القروي البسيط.
الخبر، الذي انتشر كالنار في الهشيم في أرجاء الدوار، لم يكن مجرد حدث عابر في سجل الحوادث، لقد كان صرخة مدوية في وجه واقع غالبًا ما يتم تجاهله: الهشاشة النفسية التي تتربص بأطفال المناطق المهمشة، حيث تتوارى آليات الدعم النفسي والاجتماعي خلف جدران الصمت والعادات.
تفاصيل الواقعة، التي لا تزال قيد التحقيق من قبل السلطات المعنية، فربما لحظة يأس دفعت بالطفل إلى إنهاء حياته شنقًا، مستغلًا غفلة من أسرته، لم تكن هناك إشارات واضحة تنبئ بهذه النهاية المأساوية، ليجد الجميع أنفسهم أمام سؤال قاسٍ: لماذا؟
هذه الحادثة الأليمة تعيد فتح ملف الطفولة في المناطق القروية، حيث تتشابك خيوط العزلة والحرمان وغياب التوجيه لتشكل نسيجًا هشًا قد لا يقوى على تحمل أعباء نفسية تتجاوز طاقة الصغار، في هذه البيئات، غالبًا ما يُنظر إلى المشاعر الداخلية للطفل على أنها مجرد تقلبات مزاجية عابرة، ليجد الصغير نفسه وحيدًا في مواجهة مخاوفه وهواجسه.
المؤسسات التعليمية في هذه المناطق، ورغم الدور الحيوي الذي تلعبه في تلقين المعرفة، قد لا تولي الاهتمام الكافي للجانب النفسي للتلاميذ، الأسر، المثقلة بهموم البحث عن لقمة العيش، قد تجد صعوبة في تخصيص الوقت والجهد لفهم ما يجول في دواخل أبنائها. ليصبح الصمت لغة مشتركة تخفي وراءها أوجاعًا قد تنتهي بكارثة.
إن حادثة دوار أولاد الكرن ليست مجرد خبر محزن، بل هي ناقوس خطر يدق بقوة، مطالبًا بتحرك عاجل على مستويات متعددة، إنها دعوة إلى الأسرة لكي تكون أكثر انتباهًا لأبنائها، وأن تخلق مساحات للحوار والتعبير،إنها مناشدة للمدرسة لكي تولي الجانب النفسي للتلاميذ أهمية قصوى، وأن توفر لهم آليات للدعم والإرشاد، إنها نداء للمجتمع المدني والإعلام لكي يكسرا حاجز الصمت حول قضايا الصحة النفسية، وأن يسلّطا الضوء على معاناة الفئات الهشة.
الأكثر من ذلك، إنها مسؤولية تقع على عاتق السياسات العمومية لكي تستثمر بجدية في بناء منظومة متكاملة للصحة النفسية، تصل إلى أبعد القرى والمداشر، وتوفر الدعم اللازم للأطفال والأسر على حد سواء،إن بناء جيل سليم معافى نفسيًا هو استثمار في مستقبل الوطن بأكمله.
رحيل طفل أولاد الكرن يجب ألا يكون مجرد رقم آخر في سجل المآسي، يجب أن يكون نقطة تحول تدفعنا جميعًا إلى إعادة التفكير في كيفية تعاملنا مع عالم الطفولة، وكيف نصغي إلى صمتهم، وكيف نحمي براءتهم من قسوة الظروف وتجاهل المجتمع. إن أرواح أطفالنا أثمن من أن تُترك فريسة لليأس والصمت القاتل.