الأمسية الختامية لمنتدى الحمراء لم تكن مجرد محطة عابرة في أجندة الثقافة والفن، وإنما كانت تظاهرة وجدانية استثنائية امتزجت فيها حرارة الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة بعمق الانتماء لتراب الجمال والإبداع، حيث احتضنت القاعة بمؤسسة البشير أرواحا جاءت محمولة على أجنحة الشوق لتلتقي وكأن موعدا مسبقا كان يرتّب هذه العودة الطويلة إلى دفء الذاكرة المشتركة
على منبر الحمراء ذابت الحدود الفاصلة بين الأجناس الإبداعية فالقصيدة لم تكن سوى لوحة مرسومة بالكلمات والريشة لم تكن بعيدة عن نبض الشاعر، وتقاطعت أصوات الألوان مع إيقاع القوافي في عناق بصري وسمعي أخذ الحاضرين في رحلة شفافة نحو جوهر الجمال، ليكون الاحتفاء بالمرأة صانعة الحياة وملهمة المعنى حضورا حيا ينبض في تفاصيل كل لوحة وكل بيت شعر وكل ابتسامة ارتسمت على محيا وجوه طالما غاب عنها اللقاء وظل الحنين يوصلها، ما يميز هذه الأمسية هو ذلك السحر الخفي الذي سحب القلوب نحو بعضها البعض، وجوه التقت بعد غياب طويل كأن الزمن لم يمر وكأن المسافات لم تكن سوى وهم تبدد على صخرة الود الإنساني الصافي، لقد كانت لحظات تعانقت فيها الأرواح بصمت وتحدثت العيون بما تعجز القواميس عن صياغته لتغمر المكان طاقة من المحبة الخالصة تجعل اللقاء أشبه بقطعة سكر ذابت في كؤوس الذاكرة تاركة حلاوة لا تفارق الحلق ولا الوجدان، وحين يبلغ الإبداع ذروته يصمت الكلام احتراما لجلال اللحظة وهكذا بدت أمسية الحمراء الختامية حدثا ثقافيا وفنيا يتجاوز التغطية التقليدية ليصبح نصا مفتوحا على التأويل ومقالا يُكتب بلغة الصمت الناطق، صمت يحمل في طياته آلاف الحكايات عن الوفاء عن الوجوه التي عادت لتضيء العتمة وعن الروابط الإنسانية التي لا تذبل مهما اشتدت ريح الغياب،وسقط الستار على أضواء المسرح لكنه لم يسقط قط على أثر الأمسية في النفوس إذ رحل الحاضرون وهم يحملون في أعماقهم دفء الذاكرة وحلاوة لقاء بطعم السكر موقنين أن الفن الحقيقي وكلما التقى بالمحبة النقية يصنع معجزات صغيرة تعيد للإنسان بهجة العيش والمعنى…