مجتمع

فتاة الضوء.. جزّارة من أمستردام في فاس العالمة

مصطفى_الآبيض

في حيّ الطالعة، حيث تفوح من الجدران رائحة الزمان، وتهمس الحجارة بقصائد الأندلس الغاربة، وقفت فتاة هولندية، كأنها غيمة بيضاء ضلت الطريق، فحطت فوق قلب فاس العتيقة.

عيناها بلون السماء الباردة، وشَعرها ذهبيّ كقناديل الغروب، تبيع اللحم بين طقطقة السكاكين وصدى أصوات الباعة، تنادي بلغة مكسورة، تكملها نظرات صافية، تشقّ المدى مثل نايٍ حزين.

لم تكن تبيع اللحم فقط، بل كانت تبيع الدهشة، تسلخ من قلوب المارة طبقات الصدمة، وتغمرهم بنوعٍ جديد من الجمال:

جمال التناقض… حين تتربع نبتة أوروبية فوق تُرابٍ مغربي، وتزهر دون أن تسأل التربة عن الأصل، أو

من أين أتت؟

فتجيب العيون: من خلف الغيم

ويقول السوق: من قلب مغربيٍ أحبّها، أو أحبّته.

لكنها، هي وحدها، تذوب في المكان كأنها نبتت فيه

في فاس، حيث تختلط الحضارة بالعطر، والتاريخ بصوت المؤذن، جلست “الجزارة” الجميلة، كأنها سؤال مفتوح في وجه العالم:

“من قال إن المهنة لا تعرف الجمال؟ وإن اللحم لا يليق بالحرير؟ وإن الغريب لا يُصبح منّا، إن أحبّ الوطن بصمت؟”

في زوايا الحي، يحكون أن شيخًا ضريرًا مرّ ذات صباح من أمام محلها، فوقف طويلاً، كأنه يسمع الموسيقى من بين ضربات السكين، ثم قال:

“هذه ليست بنت هولندا… هذه نجمة من نور، خبّأها القدر بيننا لنفهم أن الجمال لا جنسية له، وأن الحب حين يُختار… يصبح وطنًا.

في مساء غامض، بعد أول قطرة غيث شتوي، اختفت الفتاة.

لم تجدها المدينة، ولا سمع عنها الزقاق شيئًا، كأنها نبتة أزهرت للحظة، ثم انحنت للعابرين واختفت بهدوء، تاركة وراءها خيطًا من الدهشة، وعطرًا لا يُشبه اللحم، بل يشبه الحنين.

ومنذ ذلك الحين، يقال إنّ من يمرّ من هناك وقت الأصيل، قد يرى ظلًا خفيفًا على الزجاج، وابتسامة ناعمة تعانق الضوء…

ثم تختفي كما ظهرت، كأنها حلم لا يكتمل…

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button