**مصطفى الابيض
في مشهد خطفه بريق “الترند” المتسارع، تجسدت تراجيديا إنسانية في جسد طفل لم يتجاوز ربيعه الرابع؛ حين أشاح بوجهه عن عطر الجدة المعتاد ليهرع نحو مرفأ الجد، تلك الأمتار القليلة التي قطعها الصغير لم تكن مجرد هرولة طفل، هي زلزال يضرب “أهرامات” المفاهيم التي شيدناها حول العاطفة، لقد بدا الجد في تلك اللحظة كمنارة قديمة وسط بحر هائج، لا تصرخ بالضوء بل تمنحه، في حين وقف المجتمع مذهولا أمام طفلٍ فكك “شيفرة” الرجولة القاسية في ثواني معدودة، ليثبت أن الحضن ليس ملكية أنثوية مسجلة، بل هو جغرافيا من الأمان لا تعترف بجوازات السفر الرسمية
إننا نعيش في سجن سوسيولوجي كبير، حيث صمم المعمار الاجتماعي قلب الرجل كصندوق أسود مغلق، يمنع فتحه إلا في الكوارث، لقد حوّلنا الرجل إلى “تمثال من رخام”، يطلب منه أن يكون العضد والوتد، لكن يحظر عليه أن يكون “الغيمة”، هذا التنميط الذي يدرسه علم الاجتماع كـ”بناء اجتماعي للقوارير والذكورة”، جعل من حنان الرجل “عملة مهربة” يمارسها خلف الأبواب الموصدة، وكأن الرقة ثغرة في جدار الهيبة، لكن هذا الطفل، بذكائه الفطري، لم ير في الجد “درعا” خشناً، بل رأى “واحة” استثنائية، محطما بذلك “تابو” القسوة الذي ورثناه كابرا عن كابر
في هذا الإطار يخبرنا “جون بولبي” في نظرية الارتباط العاطفي وسيكولوجية الطفل أنه لا يبحث عن “نوع” الحضن، بل عن “جودته” الارتدادية،إن الدماغ الطفولي يلتقط ذبذبات “الأوكسيتوسين” (هرمون الحب) الصادرة من صدر الرجل بنفس الكثافة التي يلتقطها من صدر المرأة، بل إن الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن “الاحتواء الأبوي” يتميز بنبرة من الاستقرار تمنح الطفل شعورا بالثبات الوجودي، فالحضن هنا ليس مجرد تلامس فيزيائي، بل هو “ترميم عاطفي” لصدوع الخوف، وعندما اختار الطفل جده، كان يمارس “عدالة سيكولوجية” تمنح الرجل حقه في أن يكون مصدراً للرقة، معلناً أن “الأنا الأعلى” التي زرعها المجتمع في عقولنا لتمنعنا من البكاء أو الاحتضان، هي مجرد وهم تبدده براءة طفل.
وإذا ما استنطقنا الروح الإنسانية في أسمى تجلياتها الدينية، سنجد أن هذا المشهد ليس إلا امتدادا لرحمة نبوية كسرت جفاء الصحراء قديما، ففي الوقفة التاريخية للنبي ﷺ حين كان يقبل سبطيه الحسن والحسين، واستغراب الأعرابي الذي قال: “إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً”، جاء الرد النبوي كقانون كوني: “من لا يرحم لا يُرحم”
إنها دعوة سماوية لتحرير “المضغة” التي في صدر الرجل من قيود العصبية والجفاء، وتأكيد على أن “القوامة” ليست سيطرة خشنة، بل هي رعاية حانية تفيض بالرحمة، فالإسلام لم يصادر قلب الرجل، بل جعله مرآة لصفة “الرحيم”
ختاما، إن ذلك المقطع القصير هو “بيان استقلال” لعاطفة الرجل المسلوبة،إنه تذكير بأن الرجل الذي يشيّد المدن ويخوض الحروب، يحتاج هو أيضا أن يسمح له ببناء “جسور من الحنان” دون أن يشعر بالنقص، إن إنصاف الرجل ليس في منحه السلطة، بل في منحه الحق في “الضعف الإنساني الجميل”، فالحضن الذي منحه الجد لم يكن استثناء، بل كان حقيقة مخبأة تحت ركام التقاليد، حقيقة تقول إن الرجل غصن لين في قلبه، مهما بدا لحاؤه خشنا، وأن الأطفال هم الأنبياء الصغار الذين كلفهم القدر بمهمة واحدة: إعادتنا إلى إنسانيتنا الفطرية التي لا تفرق بين دفء وآخر.