
** مصطفى الابيض
في حدود الساعة السادسة والنصف من مساء يوم السبت 25 يوليوز الجاري، احتضنتدار الشباب عرصة الحامض بمراكش فعاليات اليوم التحسيسي والتوعوي المنظم تحت شعار “نحو بيئة دامجة للاشخاص في وضعية اعاقة وخالية من الحواجز”، بمبادرة من جمعية آباء وأولياء الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لدار الامل بمراكش، وبشراكة مع جمعية اصدقاء المنارة للتنمية والبيئة بمراكش، في اطار الانخراط في الجهود الرامية الى ترسيخ ثقافة الادماج وتعزيز الوعي المجتمعي بحقوق الاشخاص في وضعية اعاقة والاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وقد شكل هذا اللقاء مناسبة لفتح نقاش جاد ومسؤول حول واقع هذه الفئة وسبل مواكبتها وتأهيلها وتمكينها من حقوقها، حيث تميزت اشغال اليوم التحسيسي بتعدد المداخلات وتنوع زوايا النظر، بما اغنى النقاش وقدم مجموعة من الافكار والتصورات التي تلامس الجوانب النفسية والتربوية والاجتماعية والتأهيلية، مع التأكيد على ان قضية الاعاقة ليست مسؤولية الاسرة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها مختلف مكونات المجتمع والمؤسسات والقطاعات المعنية.
وفي كلمة افتتاحية بالمناسبة، اكدت السيدة فاطمة دومو، رئيسة جمعية آباء وأولياء الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لدار الامل بمراكش، ان تنظيم هذا اللقاء يندرج ضمن حرص الجمعية على جعل قضية الاشخاص في وضعية اعاقة والاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في صلب الاهتمام المجتمعي، مشددة على ان الادماج الحقيقي لا يمكن ان يتحقق بالشعارات وحدها، بل يتطلب عملا متواصلا وتضافر جهود الاسرة والمؤسسات والمجتمع، من اجل تجاوز مختلف الحواجز المادية والنفسية والاجتماعية التي قد تعيق اندماج هذه الفئة في الحياة العامة.
ومن موقعها كاخصائية في النطق، قدمت مجدولين بوعلام مداخلة سلطت من خلالها الضوء على اهمية مواكبة الاطفال الذين يعانون من اضطرابات في النطق والتواصل، مبرزة ان التدخل المبكر والتشخيص الدقيق والمتابعة المنتظمة يمكن ان تلعب دورا اساسيا في تحسين قدرات الطفل على التواصل والتعبير، كما شددت على ضرورة ان تكون الاسرة شريكا فعليا في عملية التأهيل، باعتبارها الفضاء الاول الذي يمارس فيه الطفل مهارات التواصل، مؤكدة ان الدعم المتخصص ينبغي ان يواكب احتياجات كل طفل وفق خصوصياته وقدراته.
ومن الجانب النفسي، تناولت ليلى الراضي، بصفتها اخصائية نفسية، مجموعة من القضايا المرتبطة بالصحة النفسية للاطفال والاسر التي تعيش تجربة الاعاقة، مبرزة ان الدعم النفسي لا ينبغي ان ينظر اليه باعتباره تدخلا ثانويا، بل يشكل عنصرا اساسيا في مسار التأهيل والادماج، سواء تعلق الامر بالطفل او بالاسرة، كما اكدت اهمية تعزيز الثقة بالنفس ومواجهة الاحساس بالعزلة والاقصاء، الى جانب مساعدة الاسر على التعامل بشكل ايجابي ومتوازن مع مختلف التحديات التي تفرضها ظروف الاعاقة.
اما الدكتور السعيد اخي، استاذ باحث، فقد ساهم في اثراء النقاش من خلال مقاربة علمية وبحثية ركزت على ضرورة التعامل مع قضية الاعاقة باعتبارها موضوعا مجتمعيا متكاملا، يستوجب اعتماد رؤية متعددة الابعاد تتجاوز المقاربة التقليدية، مع التأكيد على اهمية البحث العلمي في فهم واقع الاشخاص في وضعية اعاقة وتحديد حاجياتهم واقتراح حلول عملية قابلة للتنفيذ، كما ابرز اهمية تطوير السياسات والممارسات التي من شأنها تعزيز تكافؤ الفرص وتحقيق الادماج الفعلي داخل المجتمع.
ومن موقعه كمدير مؤسسة تعليمية، تطرق عبد الخالق التريدي الى الدور المحوري الذي تضطلع به المدرسة في بناء مجتمع دامج، مؤكدا ان المؤسسة التعليمية مطالبة بخلق بيئة تربوية تستوعب مختلف الفئات وتوفر شروط التعلم والانفتاح والمشاركة، كما شدد على ان نجاح الادماج المدرسي يتطلب تكامل الادوار بين الادارة والاطر التربوية والاسر والمتخصصين، مع ضرورة تعزيز ثقافة تقبل الاختلاف ومحاربة كل اشكال التنمر والاقصاء، حتى تصبح المدرسة فضاء حقيقيا للانصاف وتكافؤ الفرص.
ومن جانبها، ساهمت مريم ايت لحسن، ممثلة عن مؤسسة التعاون الوطني، في اغناء النقاش من خلال ابراز اهمية العمل الاجتماعي والمؤسساتي في مواكبة الاشخاص في وضعية اعاقة والاسر التي تحتاج الى الدعم والتوجيه، مؤكدة ان تحقيق الادماج يتطلب تعزيز الشراكات بين مختلف المتدخلين وتوحيد الجهود من اجل تقديم خدمات تستجيب للحاجيات الفعلية لهذه الفئة، كما شكل حضورها مناسبة للتأكيد على اهمية الدور الذي يمكن ان تضطلع به المؤسسات الاجتماعية في دعم الاسر وتعزيز مواكبة الاطفال والاشخاص في وضعية اعاقة.
وقد اجمع مختلف المتدخلين والمتدخلات على ان بناء بيئة دامجة وخالية من الحواجز يقتضي الانتقال من منطق التعاطف الظرفي الى منطق الحقوق والتمكين، ومن المبادرات المتفرقة الى العمل المؤسساتي المستدام، مؤكدين ان الادماج الحقيقي يبدأ من تغيير النظرة المجتمعية الى الاعاقة، والاعتراف بقدرات الاشخاص في وضعية اعاقة وحقهم الكامل في التعليم والصحة والتأهيل والمشاركة الاجتماعية والثقافية، بما يضمن لهم العيش الكريم والاستقلالية وتكافؤ الفرص.
وفي ختام هذا اليوم التحسيسي والتوعوي، برزت الحاجة الى مواصلة مثل هذه المبادرات التي تفتح فضاءات للحوار والتفكير وتبادل التجارب والخبرات، وتساهم في تقريب مختلف الفاعلين من قضايا الاشخاص في وضعية اعاقة والاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مع التأكيد على ان بناء مجتمع دامج مسؤولية جماعية تتطلب انخراط الاسرة والمدرسة والجامعة والمتخصصين والمؤسسات الاجتماعية والمجتمع المدني، حتى تصبح ثقافة الادماج ممارسة يومية راسخة، وليس مجرد شعار عابر




