في عالم يموج بصخب الماديات وتتسابق فيه الأمم نحو ألقاب فانية فوق المستطيل الأخضر، وبينما تشرئب الأعناق وتضج المنابر بحديث الملاعب والمنافسات الدنيوية العابرة، يرتفع في مغرب الأصالة كير الفلاح وتتراءى في الأفق منافسة من طراز سماوي فريد، أبطالها لا يركضون خلف مجد زائل، لكن يحملون في صدورهم كأسا من النور لا يتبدد وعزا لا يبلى
لقد تجسدت هذه الفكرة السامية في أبهى حللها الروحية حين تزينت مدينة تيزنيت البهية بهالة من الجلال الإلهي، وهي تزف في عرس سماوي باذخ “المنتخب الوطني لحفاظ وحافظات القرآن الكريم”، في مسيرة نورانية بهية تقشعر لها جلود الخاشعين فرحا وتنحني لها القلوب إجلالا، إن هذا المحفل الرباني جاء ليعيد إلى الوجدان توازنه المفقود وسط ضجيج الحياة، مذكرا الإنسانية بأن الفخر الحقيقي والتيجان المستحقة هي تلك التي تصاغ من آيات الوحي والسكينة، حيث بدت شوارع المدينة كمحراب كبير يتردد في أرجائه صدى الأسحار ومناجاة القلوب التي علقت بالعرش وصارت مصاحف حية تمشي على الأرض
وفي مقدمة هذا الموكب النوراني، سار فتية وشباب كأنهم كواكب درية انشقت من غمام الهدى، ملتحفين بياضا ناصعا يحاكي نقاء سرائرهم، ويمتطون خيولا مطهمة تمشي الهويني كأنها تدرك جلال الكلمات البينات التي استقرت في أفئدة ركبانها، تظللهم راية الوطن الخفاقة وصور أمير المؤمنين، وتحفهم لافتة الاعتزاز بميلاد هذا الجيل من الخاتمين المتقنين، ولم يكن لحرائر القرآن وحافظاته حضور عابر، وإنما تراءت الزهرات والفتيات الماجدات كأنهن حدائق ذات بهجة ملتحفات بوقار أخضر نضر، يحملن المصاحف الشريفة بكفوف طاهرة ويسرن في صفوف هندسها الجلال، ليعلن للعالم أن مغرب الأجداد سيظل الحصن الحصين لقيمه وهويته الإيمانية
. فبينما يغرق العالم في ملهياته، يرفع هؤلاء الفتية لواء اليقين تبارك الرحمن في ملكوته، والله يبارك في هذه الوجوه النضرة وفي تلك الأسر الصابرة المحتسبة التي رعت هذا الغراس، وفيمن علمهم ولقنهم وجعلهم نورا يستضاء به الوطن، وأجزل العطاء لجمعية النور والهدى التي جعلت من خدمة كتاب الله غايتها العليا، لتبقى هذه الملحمة الإيمانية التي شهدتها الساكنة وعاينتها العيون رسالة تربوية بليغة تنبض بلغة الروح حين تناجي ربها، وتلهم الأجيال الصاعدة بأن العزة والرفعة تكمن في الاعتصام بحبل الله المتين والنهل من معينه الصافي لتنشئة جيل مغربي أصيل معتز بدينه ومحب لوطنه