تربية وتعليم

شوارع تغرق في حطام الأوراق.. لماذا ينتقم التلاميذ من كتبهم المدرسية بعد الامتحانات؟

** الدكتور السعيد أخي

مع إسدال الستار على كل موسم دراسي، واجتياز آخر الامتحانات، تصاب شوارعنا ومحيط مؤسساتنا التعليمية بـ “زلزال ورقي” مألوف ولكنه صادم؛ أكوام من الدفاتر الممزقة، وكتب مدرسية مهشمة تملأ الساحات والطرقات، في مشهد سريالي يحول مساحات العلم إلى مرتع للمخلفات، هذا الطقس الاحتفالي العنيف، الذي يمارسه بعض تلاميذنا لاستقبال العطلة الصيفية، ليس مجرد سحابة فرح عابرة أو تفريغ شحنة طاقة زائدة، وانما هو “عرض سريري” لأزمة تربوية ونفسية صامتة تغلغلت في وجدان المنظومة التعليمية وسلوك الناشئة.

من منظور السيكولوجيا التربوية، فإن فعل التمزيق والرمي الفوري للكتاب والدفتر يمثل سيكولوجيا “التحرر من قيد شاق”، لقد تحول الكتاب في تمثلات التلميذ من “مصباح ينير العقل” إلى “أداة إكراه” وصنوٍ للضغط النفسي والقلق المرتبط بربح النقط واجتياز الاختبارات. وما إن ينتهي الامتحان، حتى يمارس التلميذ آلية دفاعية نفسية أشبه بالانتقام من “الجلاد الصامت” الذي رافقه طيلة السنة؛ حيث يغدو إتلاف الورق رمزاً لكسر القيود، وتأكيداً على نظرة نفعية برغماتية قاصرة ترى في المعرفة وسيلة مؤقتة لغاية مادية (الشهادة والنجاح)، تنتهي صلاحيتها بانتهاء الغرض منها

أما سوسيولوجياً، فإن هذه الظاهرة لا تنفصل عن “ثقافة الاستهلاك السريع” (Fast Consumption) التي باتت تحكم مجتمعاتنا الحديثة، في زمن الـ “تيك توك” والهواتف الذكية، تراجعت قدسية الكتاب الورقي وبريقه الكلاسيكي، وحل محله منطق “الاستعمال لمرة واحدة”، التلاميذ يعيدون إنتاج قيم المجتمع الاستهلاكي داخل محيط المدرسة، حيث يتم التعامل مع الأدوات الدراسية بمنطق السلعة المؤقتة لا بمنطق الإرث الإنساني والمحافظة. وهنا تتقاسم الأسرة مع المدرسة المسؤولية كاملة؛ فحين يغيب الحوار الأسري والتربوي حول القيمة المعنوية والجهد الفكري والاقتصادي المبذول لإنتاج الكتاب، يصبح من السهل على المتعلم رميه في سلة المهملات دون أدنى شعور بالذنب الأخلاقي أو الاجتماعي

وإذا أردنا تشريح الأبعاد الاقتصادية والبيئية، فإن هذا الهدر السنوي للأوراق يشكل نزيفا مالياً حقيقيا يثقل كاهل الأسر والدولة، في وقت تعاني فيه عائلات معوزة من تأمين المحفظة المدرسية لأبنائها،وبدل أن يتحول الكتاب الصالح للاستعمال إلى جسر تضامني يُمنح لتلميذ آخر، أو يُغني رصيد المكتبات المدرسية، يُرمى به في القمامة ليتحول إلى عبء بيئي يلوث الفضاء العام ويعكس ضعفا فادحاً في الوعي البيئي وقيم المواطنة الإيجابية التي يفترض بالمدرسة غرسها

إن علاج هذا الخلل البنيوي لا يمكن أن يتحقق بالمقاربات الزجرية أو العقوبات الجافة،وانما عبر استراتيجية ناعمة تعيد صياغة “التربية على القيم”، نحن بحاجة إلى ثورة نقدية تقنع المتعلم بأن الكتاب رفيق وجودي مستدام وليس مجرد حبر عابر فوق ورق تنتهي صلاحيته بحلول العطلة. على المؤسسات التعليمية أن تبادر، قبل أسبوع من نهاية الامتحانات، إلى تنظيم حملات مؤسساتية مبتكرة لجمع الدفاتر والكتب المتميزة وتدويرها أو التبرع بها، لتحويل طاقة “نهاية الموسم” من الفوضى التدميرية إلى قيم التضامن والمواطنة الصديقة للبيئة،

إن حطام الأوراق على الأرصفة هو مرآة تعكس علاقتنا الحقيقية بالمعرفة، وإذا كنا نطمح حقا إلى بناء مجتمع المعرفة، فعلينا أولا إعادة الهيبة والوقار للرمز الأول والأساسي للتعلم: الكتاب

 

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button