أخبار

#البعدالخامس :بين أنياب الذئاب وجدار الصمت: حكاية امرأة ذبحها”المحيط” قبل “الجناة

#مصطفى_الآبيض

في عمق جبال بني ملال، حيث تلتوي المسالك كما تلتوي الأقدار، وأنين الأرواح التي سُحقت تحت أقدام “الصمت الجبلي” المهيب، هناك، في “دوار تيحونة بجماعة تيزي نسلي”، لم تكن عائشة مجرد امرأة، هي كانت قربانا يذبح كل ليلة على مذبح الخسة والدناءة البشرية، في طقس شيطاني استمر عشرين عاما، أمام أعين مجتمع اغتسل بماء التواطؤ والنسيان

عائشة، تلك الطفلة التي تجمدت براءتها عند سن الرابعة عشرة بفعل إعاقة ذهنية جعلت عقلها حديقة مهجورة، تحولت في غفلة من الضمير الإنساني إلى “منجم” للنسل المحرم، ومسرحا لجريمة بيولوجية أنتجت ثمانية أرواح، صرخت في وجه العدم دون أن يسمعها أحد،

إنها حكاية “الجحيم الصامت”، حيث لا يفرق الجلاد بين جسد المرأة وبين الأرض المشاع، وحيث تتحول الإعاقة من “ابتلاء” يستوجب الرعاية إلى “ثغرة” تفتح شهية الذئاب التي ترتدي عباءة المسوخ البشرية

​لقد كانت عائشة تعيش في غرفة ضيقة لا تتسع حتى للأحلام، تتقاسم العتمة مع والد فقد بصره، لكنه لم يفقد البصيرة التي جعلته يشهد على ذوبان شمعة ابنته أمام ناظريه المنطفئين

هذه الغرفة لم تكن مأوى، بل كانت “زنزانة اجتماعية” نبتت فيها أزهار الألم؛ ثمانية أطفال ولدوا من رحم الخطيئة القسرية، أحدهم صعدت روحه تشكو لخالقها خذلان الخلق، وثلاثة تفرقوا في البلاد كبذور ذرتها الرياح، بينما بقي أربعة منهم يرصدون في ملامح أمهم المنكسرة تفاصيل جريمة كبرى لا يحملون من وزرها سوى أسمائهم الضائعة

إن بشاعة المشهد لا تكمن فقط في الفعل الجرمي، بل في تلك “الهندسة الاجتماعية” التي سمحت للمعتدين، وهم من المحيط القريب، أن يمارسوا ساديتهم تحت غطاء الفقر والعزلة، وكأن جسد عائشة كان ضريبة صمت يدفعها الجميع مقابل “سترة” مزيفة، هي في حقيقتها كفن يلف به الشرف المسفوح

​إن قضية عائشة هي مرآة مهشمة تعكس عورات منظومة الحماية في المغرب العميق، حيث تسقط القوانين في المنحدرات الجبلية قبل أن تصل إلى الضحايا، كيف لامرأة أن تنجب ثمانية أطفال دون أن يرف جفن لمؤسسة ما تدعي الدفاع عن المرأة وحقوقها ، أو تتحرك غيرة لجار؟ إن هذا “التواتر” في الجريمة يكشف عن سرطان استشرى في جسد القيم، حيث تصبح الفتاة ذات الإعاقة الذهنية في المناطق النائية كائنا “مستباحا” خارج حدود القانون والإنسانية، وما تحرك المنظمات الحقوقية اليوم، رغم أهميته، إلا صرخة في واد سحيق، تذكرنا بأننا نعيش في مجتمع “الفرجة” الذي لا يستيقظ إلا حين تفوح رائحة الموت، أو حين تنفجر القنبلة الموقوتة لسنوات من الاستغلال الممنهج، إن العدالة التي ننتظرها لعائشة ليست فقط في زج الجناة خلف القضبان، بل في محاكمة “ثقافة الصمت” التي جعلت من هذه الضحية أما رغما عنها وجسدا مستباحا لعقدين من الزمن، في تراجيديا إنسانية تثبت أن أشد أنواع العمى ليس فقدان البصر، بل هو ذلك “العمى الأخلاقي” الذي يجعل قرية بأكملها تشاهد الذئب يأكل الحمل.. ثم تواصل النوم. كأن شيئا لم يحصل

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button