أخبارالدين و الحياة

الدكتور جميل جميل عازر…حين يصمت الصوت النزيه وتبقى الصحافة يتيمة

**مصطفى الابيض
برحيل الدكتور جميل جميل عازر، لا يفقد الإعلام العربي مجرد اسم لامع في سجل الرواد، هو وداع لضمير مهني ظل لعقود طويلة يذكرنا بأن الصحافة ليست صخبا، ولا الإعلام سباقا نحو الإثارة، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفة دقيقة واحترام عميق للعقل واللغة والإنسان

لم يكن جميل عازر نجم شاشة، ولا باحثا عن أضواء، بل كان من أولئك الذين يشتغلون في العمق، حيث تُصنع المهنة وتُصقل المعايير. صوته الهادئ، لغته العربية الصافية، وصرامته التحريرية، كانت تشبهه تماما: بلا تكلف، بلا ادعاء، وبلا مساومة على جوهر الصحافة

من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إلى قناة الجزيرة، امتدت مسيرته أكثر من ستة عقود، لم يكن خلالها شاهدا على تحولات الإعلام العربي فقط، بل فاعلا أساسيا في تشكيله، في الـBBC تعلم الإعلام العربي معنى الدقة والانضباط، وفي الجزيرة ساهم في وضع اللبنات الأولى لهوية قناة غيرت المشهد الإعلامي العربي، وكان صاحب العبارة التي لخصت فلسفة إعلامية كاملة:
«الرأي… والرأي الآخر»

لكن القيمة الحقيقية لجميل عازر لا تختزل في البرامج التي قدمها، ولا في المناصب التي شغلها، بل في الأثر، أثره في أجيال من الإعلاميين الذين تعلّموا على يديه أن الخبر أمانة، وأن اللغة ليست زينة بل أداة وعي، وأن الحياد ليس ضعفا بل شجاعة أخلاقية.

في زمن تسارعت فيه الأخبار وتراجعت المعايير، كان جميل عازر يمثل مدرسة نادرة: مدرسة التريث، والتحقق، واحترام المتلقي، لم يكن يؤمن بالإعلام كسلطة، بل كخدمة عامة، ولا بالصحفي كمؤثر، بل كحارس للحقيقة

رحيله اليوم يطرح سؤالا مؤلما:
من يملأ هذا الفراغ؟
من يعيد الاعتبار للغة العربية في نشرات الأخبار؟
من يذكرنا بأن المهنية ليست خيارًا بل شرط وجود؟

قد يغيب الجسد، لكن المدرسة باقية، سيبقى جميل جميل عازر حاضرا في كل نص إخباري صيغ بعناية، وفي كل مذيع احترم اللغة، وفي كل صحفي رفض التلاعب بالخبر. سيبقى مرجعا أخلاقيا في زمن الارتباك الإعلامي

رحم الله جميل عازر،
صوت الحكمة الذي صمت،
والكلمة التي ستبقى

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button