
**مصطفى الابيض
كثيرا ما نسمع العبارة الرائجة: «جسدك ملكك»، تقال بثقة، وكأنها حقيقة قانونية أو فلسفية لا تقبل النقاش،غير أن السؤال الجوهري الذي يُتجاهل عمدا هو: من أين جاءت هذه الملكية؟
هل منحت بهيبة؟ أم بعقد موثق؟ أم بصك ملكية؟
وهل الجسد إرث ورثناه عن آبائنا حتى ندعي التصرف المطلق فيه؟
قبل الخوض في هذا اللغو المتداول، وقبل التعاطي مع هذا الطرح الصادم والغريب، لا بد من التوقف عند أصل المسألة: منشأ الجسد ومنشأ الروح،
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ صدق الله العظيم
فالإنسان لم يخلق نفسه، ولم يختر جسده، ولم يشكل أعضائه، ولم يزرع فيه الروح
الجسد خلق إلهي، والروح نفخة ربانية، والإنسان ليس مالكا بل مستخلف، وليس سيدا مطلقا بل مؤتمنا
إن الروح التي أودعها الله في أجسادنا ليست طاقة عشوائية، بل أمانة تسري في كيان خلق بحكمة، ويتحرك ضمن نظام أخلاقي وإنساني إلهي
والقول بأن جسد المرأة ملكها ، أو جسد الإنسان عموما ، دون تحديد معنى هذه الملكية وحدودها ومصدرها، ليس سوى تفريغ فلسفي سطحي يختزل الإنسان في مادة، وينزع عنه البعد الوجودي والأخلاقي
فبماذا يكون الجسد ملكا؟
إن لم يكن الإنسان خالق الجسد، ولا واهب الروح، ولا مالك البداية ولا النهاية، فكيف يدعي ملكية مطلقة؟
الملكية تفترض التصرف الكامل دون مساءلة، بينما الجسد مرتبط بالمسؤولية، والمحاسبة، والغاية، والمصير.
الإنسان ليس مالكا لجسده، بل مسؤولا عنه وسيحاسب على أمانته “أعترفنا او لم نعترف”،
والفرق بين الملكية والأمانة فرق أخلاقي عميق، لا لغوي عابر
لهذا، قبل ترديد الشعارات الجاهزة، وقبل تحويل الجسد إلى سلعة أو شعار أيديولوجي، لا بد من العودة إلى السؤال الأول:
من خلق؟ ومن وهب؟ ومن سيحاسب؟
هناك يبدأ الفكر… لا عند نهاية الشعارات




