تحولت محطة القطار، في لحظة إلى مسرحية محسوبة، إلى قاعة احتجاج، لا لأن الكراسي اختفت فجأة من الوجود، بل لأن برلمانيتين عن حزب التراكتور جلستا على الأرض في محطة القطار الرباط المدينة احتجاجا على غياب الكراسي، ويجلسا معهما الرأي العام، مشهد يبدو إنسانيًا للوهلة الأولى، لكنه عند تفكيكه لا يصمد طويلًا أمام منطق السياسة ولا أمام ذاكرة المغاربة القصيرة التي يُراد لها دائما أن تكون أقصر مما هي عليه فعلا
المفارقة ليست في غياب الكراسي، فالكراسي موجودة، بعدد محدود، كما هو الحال في كل محطات العالم، والمكان أصلا يعيش على إيقاع أشغال التوسعة، وهما على علم بذلك شأن جميع المسافرين، المفارقة الحقيقية أن الحساسية تجاه “الجلوس على الأرض” لم تولد إلا حين اقتربت نهاية الولاية البرلمانية، وكأن الأرض لم تكن موجودة من قبل، أو كأن الجلوس عليها أصبح فجأة إهانة لا تحتمل، بعد سنوات من الجلوس الوثير تحت قبة البرلمان، حيث المقاعد المريحة، والتكييف المنتظم، والبوفيه الجاهز، والوقت المحمي من عناء الانتظار.
خلال خمس سنوات كاملة، لم تتحول كراسي محطة القطار إلى سؤال كتابي، ولا إلى تدخل لجنة، ولا إلى ملاحظة عابرة في جلسة عمومية، لم تكن أولوية، ولم تُسجل كجرح اجتماعي، ولم تستحق عناء رفع الهاتف في وجه وزير من نفس الأغلبية، لكن فجأة، ومع اقتراب الاستحقاقات، اكتشفت النائبتان أن المواطن قد يجلس، وأن الجلوس على الأرض مشكلة، وأن الكرسي صار رمزًا للكرامة المهدورة.
والحال أن المغاربة، دون بيانات ولا صور احتجاجية، افترشوا الأرض آلاف المرات. افترشوها في المستشفيات العمومية، في ممرات الانتظار الطويلة، قرب أسِرة أقاربهم المرضى، أمام أبواب الأطباء، وفي الإدارات العمومية حيث الانتظار نفسه يصبح انتظارا للانتظار. جلسوا على الأرض في الحر والبرد، دون أن تتحول معاناتهم إلى لقطة سياسية جاهزة للنشر، ودون أن يسأل عنهم أحد تحت القبة.
الجلوس على الأرض، في هذا البلد، ليس نهاية العالم، هي رياضة اجتماعية تمارس نهارا وليلا، بل جزء من يوميات مغاربة تعودوا على تدبير النقص بالصبر، وعلى تبرير الخلل بعبارة “راه المغرب”، الجديد فقط أن هذا الجلوس، حين يصدر عن منتخبين، يتحول فجأة إلى فضيحة وطنية، وإلى دليل على “غياب الكرامة”، وكأن الكرامة تُقاس بعدد الكراسي لا بعدد الأسئلة البرلمانية الجريئة، ولا بحصيلة خمس سنوات من التشريع والمراقبة.
الأكثر طرافة أن بدائل الجلوس كانت متاحة، محطة أخرى قريبة، مهيأة، مليئة بالكراسي والمقاهي، لكن الصورة كانت تحتاج إلى أرض، لا إلى كرسي، تحتاج إلى لقطة، لا إلى حل، تحتاج إلى احتجاج سهل، لا إلى عمل تشريعي مؤلم وطويل النفس.
في النهاية، ليست مشكلة الكراسي ما يثير القلق، بل مشكلة الذاكرة الانتقائية، حين يتحول ما كان عاديا طوال سنوات إلى قضية مستعجلة فقط لأن العد العكسي للانتخابات بدأ، أما الجلوس على الأرض، فسيظل قائما، في المحطات، وفي المستشفيات، وفي الإدارات، وربما في السياسة نفسها… في انتظار أن نجد من يجلس فعلًا إلى جانب المواطن، لا من يجلس على الأرض فقط حين تقترب الكاميرا.