أخباررأي

حين تتحول الشكاية إلى سلاح… من يفسد السياسة باسم محاربة الفساد؟

**مصطفى الابيض

ليس كل ملف يغلق بقرار قضائي هو نهاية قصة، وبعض قرارات الحفظ تكون بداية أسئلة أكبر. قرار الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بحفظ الشكاية الموجهة ضد رئيسة جماعة تيزي نيسلي، مريم وحساة، بسبب انعدام الإثبات، لا ينبغي أن يقرأ فقط في خانة “سلامة المسطرة”، بل في خانة أعمق: إلى أي حد أصبحت الشكاية القضائية أداة سياسية بديلاً عن الفعل السياسي نفسه؟

في الظاهر، الأمر بسيط: شكاية، بحث قضائي، تقرير للفرقة الوطنية، ثم حفظ لغياب الدليل،لكن في العمق، نحن أمام مشهد مألوف في السياسة المحلية المغربية: خلاف داخلي، انسداد في قنوات التدبير، فشل في إقناع المواطن… فيُستدعى القضاء ليقوم بما عجزت عنه السياسة. هنا لا يكون القضاء حكما فقط، بل يتحول من حيث لا يراد إلى طرف في لعبة لا قواعد أخلاقية لها.

الأخطر في هذا الملف ليس سقوط الشكاية، بل طريقة ولادتها، أن تأتي من داخل الحزب نفسه، ومن داخل الأغلبية المسيرة، فذلك لا يعكس يقظة رقابية بقدر ما يكشف إفلاسا سياسيا، إفلاس في تدبير الاختلاف، إفلاس في آليات التحكيم الداخلي، وإفلاس في فهم معنى المسؤولية، فالخلاف السياسي يُناقش في المجالس، يُحاسَب في الانتخابات، ولا يُجرَّم إلا إذا وُجد الدليل، لا النية.

نعم، محاربة الفساد أولوية وطنية، ولا نقاش حول ذلك، لكن تحويلها إلى شعار يشهر عند أول تصدع داخلي هو أكبر خدمة تُقدَّم للفاسدين الحقيقيين، لأن الإفراط في الاتهام، دون سند، يفرغ مفهوم المحاسبة من مضمونه، ويجعل الرأي العام عاجزًا عن التمييز بين الجريمة والخلاف، بين الفشل والتجريم، بين الخطأ السياسي والجرم الجنائي.

في جماعات قروية هشة مثل تيزي نيسلي، حيث المواطن لا يطلب معجزات بل طرقا صالحة وماءً وخدمات أساسية، تصبح هذه الصراعات عبئًا مضاعفا، فبدل أن تُوجَّه الطاقة إلى التنمية، تُهدر في معارك جانبية، وبدل أن يُحاسَب المنتخب أمام الساكنة، يقذف بملفات إلى أروقة القضاء، غالبًا ما تعود خاوية

قرار الحفظ هنا ليس “انتصارا” لأحد، كما أنه ليس “هزيمة” لأحد. هو صفعة صامتة لثقافة سياسية تُفضل التشهير على النقاش، والاتهام على المحاسبة، والقضاء على الديمقراطية. وهو تذكير صارم بأن العدالة لا تُدار بالنوايا، ولا تُستعمل كعصا سياسية،

الرسالة واضحة: من أراد الإصلاح فليبدأ بالشفافية، ومن أراد المحاسبة فليأتِ بالأدلة، ومن فشل في التدبير فليتحمل مسؤوليته السياسية بدل الهروب إلى الأمام، أما تحويل الشكايات إلى بديل عن البرامج، وعن الحوار، وعن الجرأة السياسية، فهو الطريق الأسرع لإفراغ الديمقراطية المحلية من معناها

القضاء قام بدوره.. الآن، الكرة في ملعب السياسة… إن كانت لا تزال قادرة على اللعب.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button