تتحرك السويد اليوم على إيقاع غير مألوف، كأن الدولة الإسكندنافية الهادئة قررت فجأة أن تنفض عنها صورة البلد البعيد عن الصراعات، لتدخل سباقا محموما نحو إعادة تشكيل موازين القوة في شمال أوروبا
فمنذ انضمامها إلى حلف الناتو، تغير كل شيء تقريبا؛ أصبحت في موقع متقدم على خط الاحتكاك المحتمل مع روسيا، وباتت حساباتها الأمنية تُكتب بمداد مختلف تماما عما كان عليه الأمر قبل سنوات قليلة
وما يشهده المشهد العسكري السويدي، هو تحوّل شامل نحو تسليح كثيف يشمل صواريخ بعيدة المدى، منظومات دفاع متطورة، وحدات بحرية وجوية قادرة على المناورة والردع، إضافة إلى استعدادات لوجستية تتعامل مع فرضية الحرب كاحتمال واقعي وليس سيناريو نظريًا.
هذا التسارع يثير في موسكو أسئلة تتجاوز التوقيت إلى النوايا،فروسيا، التي تتابع تطورات الشمال الأوروبي بقلق متزايد، ترى في التحرك السويدي ملامح كابوس جديد، خاصة أن موقع السويد الاستراتيجي يجعلها بوابة بحر البلطيق وورقة ضغط مهمة على روسيا في أي مواجهة محتملة، ومع اقتراب القوات الروسية من مناطق النفوذ الإسكندنافي، ومع توسع العمليات السيبرانية والتنافس البحري، بدأت ستوكهولم تعيد تقييم المشهد وتستعد لمرحلة قد تتطلب قدرة ردع فعلية وليست رمزية
التحول السويدي لا يطرح فقط سؤالا استراتيجيا حول “لماذا الآن؟”، بل يضع المنطقة أمام واقع قد يدفع بحر البلطيق إلى حافة توتر غير مسبوق، فالقوة البحرية السويدية، بما تمتلكه من غواصات شبحية متطورة ومنظومات مراقبة عالية الدقة، قادرة على قلب موازين أي صراع في تلك المنطقة الحساسة، أما على مستوى الجو فقد تحولت المقاتلات السويدية إلى عنصر تفوق قد يحسب له الخصوم ألف حساب، خصوصًا إذا اندمج بشكل كامل في منظومة الناتو
ومع ذلك، تبقى المعادلة الأكثر تعقيدًا مرتبطة بردود الفعل الروسية، فموسكو تنظر إلى التحركات السويدية باعتبارها امتدادًا لتوسع الحلف الأطلسي على حدودها، وهو توسع تعتبره تهديدًا وجوديا، وبين تصريحات التهدئة والتصعيد، يظل الواقع يشير إلى أن أوروبا الشمالية تدخل مرحلة جديدة، أكثر حساسية وأكثر قابلية للانفجار، ولا شك أن هذا التصعيد سيترك أثره على كامل أوروبا، وربما يتجاوزها إلى النظام الدولي برمّته، إذ يتقاطع مع صراع أوسع على النفوذ، ومع سباق تسلح يتسارع بصورة تذكّر بمرحلة الحرب الباردة، وإن كان بوجه تكنولوجي جديد.
وفي ظل هذه التفاعلات المتشابكة، يبدو أن السويد اختارت أن تكسر حيادا دام لعقود، لتصبح لاعبًا أساسيا في خريطة الأمن العالمي، وتطرح بذلك سؤالًا لا يقل أهمية عن دوافعها: هل نحن أمام تحول دفاعي طبيعي فرضته الحرب الأوكرانية، أم أمام إعادة رسم جذرية لموازين القوة في الشمال الأوروبي؟ والى أي مدى قد يغيّر هذا التوتر ملامح المستقبل القريب للعالم؟