
في ظل عودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة حزب العدالة والتنمية، تتباين التحليلات بين متفائل يراها فرصة لانبعاث جديد، ومتشكك أو مشكك يراها محاولة أخيرة للتمسك بماض ولى،هذا المقال يحاول قراءة الظاهرة بعيون واقعية، بعيدا عن لغة العاطفة أو منطق الأماني، مستكشفًا السيناريوهين المحتملين ومآلات كل منهما،الفرق بين هذا وذاك هو فرق بين العاطفة والعقل.
العاطفة التي تستند إليها مقولات المناصرين وأعضاء الحزب، تراهن على أن عودة عبد الإله بنكيران إلى القيادة ستكون المفتاح السحري لعودة العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد السياسي، سواء عبر تصدر الانتخابات التشريعية المقبلة في 2026 أو على الأقل عبر ضمان موقع مريح ضمن أحزاب الأغلبية الحكومية. هؤلاء يعتقدون أن الكاريزما الشخصية لبنكيران، وخبرته الطويلة، وحنكته في إدارة التوازنات، قادرة على إعادة تعبئة القواعد الشعبية وبناء جسور الثقة التي تصدعت خلال السنوات الماضية.
هذا هو السيناريو الأول: سيناريو الانبعاث السياسي، حيث يتخيل المناصرون أن الحزب قادر، تحت قيادة بنكيران، على استعادة عافيته التنظيمية، ترميم قاعدته الاجتماعية، ومراكمة رأسمال رمزي جديد يجعله رقماً صعباً في الاستحقاقات القادمة.
لكن السيناريو الثاني، الذي يفرضه منطق التحليل السياسي البارد، ينظر للأمور من زاوية أكثر قسوة: بنكيران، مهما كانت كفاءته الشخصية، لا يستطيع بمفرده أن يعكس اتجاه تيار اجتماعي وسياسي عميق. الحزب خسر شرعيته السياسية ليس بسبب غياب القادة فقط، بل بسبب تآكل مصداقيته الاجتماعية، وتبدل أولويات الناخبين، ودخول البلاد مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل الخارطة الحزبية وفق توازنات مختلفة تمامًا عما عرفه عقد 2011-2021.
هذا السيناريو الواقعي يرى أن عودة بنكيران قد تساهم، في أفضل الأحوال، في لملمة بعض أشلاء الحزب والحفاظ على بقائه كقوة سياسية متوسطة الحجم. لكنها لن تكون كافية لاستعادة زمام المبادرة، لأن الشرخ الذي أصاب صورة الحزب لدى الرأي العام عميق، ولأن الثقة الشعبية لا تُسترجع بسهولة بعد أن تهتز بفعل قرارات موجعة وتناقضات فاضحة بين الشعارات والممارسات.
ثم إن السياق الوطني والدولي تغير. لم تعد الخطابات الدينية أو الوعود الأخلاقية قادرة وحدها على تحريك الكتلة الناخبة. التحولات الاقتصادية، الأزمة الاجتماعية، تفكك الطبقة الوسطى، تراجع المشاركة السياسية، كلها عوامل تجعل استعادة الزخم مجرد حلم غير مؤسس.
بين السيناريو الأول والثاني، يبقى الحسم في يد الواقع، لا في يد الأمنيات. وقد يكون بنكيران نفسه، بما راكمه من خبرة سياسية، يدرك في قرارة نفسه أن مهمته اليوم ليست قيادة حزب إلى النصر، بل الحفاظ على كيان سياسي من الانهيار الكامل في مرحلة الانحسار.
الزمن السياسي، مثل نهر جارف، لا يسمح لمن تخلف عن مجراه بأن يعود إليه مهما حاول. اللحظات التاريخية لا تتكرر، والفرص لا تنتظر من تأخر عنها. بنكيران، مثل كثيرين غيره من زعماء اللحظات الكبرى، قد يجد نفسه في مواجهة الحقيقة الصامتة: أن المجتمعات تتغير أسرع مما تتيحه الذاكرة، وأن ما كان يصلح بالأمس قد يصبح عبئًا اليوم.
في السياسة، كما في الحياة، لا يكفي أن تكون على حق في لحظة معينة كي تضمن استمرارك. الشرعية تتآكل حين تصبح الشعارات أكبر من الإنجاز، والثقة تنهار حين تصبح الذكريات بديلاً عن القدرة على الفعل. والمجتمع، مهما بدا متسامحًا أو وفيًا، لا يغفر الفشل في حماية أحلامه.
هكذا إذن، لا تبدو عودة بنكيران صراعا بين نجاح وفشل فقط، بل تبدو أقرب إلى معركة أخيرة ضد منطق التاريخ نفسه. معركة يخوضها رجل يعرف أن اللحظة التي صنعته قد غابت، وأن الزمن الجديد يحتاج إلى أدوات أخرى، وعقليات أخرى، وربما إلى زعماء آخرين.
وإذا كانت السياسة لا تعترف بالعواطف إلا بقدر ما تخدم موازين القوى، فإن ما سيحكم مستقبل العدالة والتنمية ليس حنين أعضائه إلى زمن مضى، بل قدرتهم الواقعية على أن يقرأوا تحولات مجتمع تغيّر ولم يعد يشبه نفسه. وربما لم يعد ينتظرهم.
في نهاية المطاف، قد لا تكون معركة بنكيران مع خصومه ولا مع منافسيه السياسيين، بل مع الزمن نفسه. والزمن، كما علمتنا دروس التاريخ، لا يرحم من لا يتغير.



