أخبار

منع تصدير التمور التونسية إلى المغرب… حين تتحوّل الدبلوماسية إلى تمر فاسد!

✍️مصطفى الآبيض

لم يكن البلاغ الصادر عن المجمع المهني المشترك للتمور في تونس يوم 13 أكتوبر 2025 حدثا إداريا عابرا كما حاولت الجهات الرسمية الإيحاء بذلك، فحين يُعلن بلد ما عن موعد انطلاق موسم تصدير التمور نحو جميع الأسواق باستثناء السوق المغربية، فإن المسألة لا تُقرأ في سياقها التقني أو التجاري، بل في بعدها السياسي والدبلوماسي الصريح.

لقد بدا البلاغ الأول وكأنه رسالة موجهة بوضوح نحو جهة واحدة: المغرب. واللافت أن الاستثناء لم يكن مبررا بأي سبب اقتصادي أو صحي أو تنظيمي، ما جعل الرأي العام التونسي والمغربي والدولي يتساءل: لماذا يُستثنى المغرب تحديدا من بين كل الأسواق؟

لم يمر وقت طويل حتى وجدت الإدارة التونسية نفسها في مأزق حقيقي، فقرار كهذا، وإن بدا في ظاهره بسيطا، يحمل تبعات اقتصادية فورية على آلاف الفلاحين والمنتجين الذين ينتظرون موسم التصدير بفارغ الصبر، خاصة أن السوق المغربية تُعد من أهم الوجهات التاريخية للتمور التونسية، لم يحتمل الشارع التونسي هذا التناقض، وبدأت ردود الفعل الغاضبة تتصاعد على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اتهم كثيرون المجمع بالخضوع لإملاءات سياسية خارجية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.

البلاغ الثاني، الصادر بعد يوم واحد فقط، جاء تحت عنوان “بلاغ توضيحي”، لكنه لم يُقنع أحدا، إذ حاول أن يُرمم ما يمكن ترميمه، بالقول إن السوق المغربية لم تُستثنى وإنما سيُفتح التصدير نحوها في وقت لاحق، أي بعد بقية الأسواق، ومع ذلك، بدا النص مرتبكا وملتبسًا، وكأنه كُتب على عجل تحت ضغط الانتقادات، دون امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن القرار الأول كان سياسيًا بامتياز.

وفي المقابل، دعا عدد من منتجي التمور المغاربة إلى إقرار حظر نهائي لدخول التمور التونسية إلى الأسواق الوطنية، مستندين في دعوتهم إلى مجموعة من المبررات من ضمنها ضعف جودة بعض أنواع التمور التونسية بسبب المواد التي تُضاف إليها لإطالة مدة صلاحيتها، وتأثيرها السلبي على المنتوج المحلي المغربي، إلى جانب تهديدها لفرص الشغل في قطاع التمور بالمناطق الواحية، خصوصا في تافيلالت وزاكورة والرشيدية، كما تحدث بعض المهنيين عن “شبهات تحوم حول بلد منشأ هذه التمور”، معتبرين أن ذلك “يخلق منافسة غير عادلة وينطوي على تحايل وتضليل للمستهلك المغربي”.

في العمق، لا يمكن قراءة ما حدث بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر بين الجزائر والمغرب، والذي تُحاول بعض الأطراف في تونس مجاملته على حساب التوازن الدبلوماسي،فحين يصبح منتج فلاحي بسيط، مثل التمور، أداة في لعبة الاصطفاف السياسي، فذلك يعني أن الاقتصاد صار رهينة نزوات السياسة.

المفارقة أن هذا السلوك لم يمر دون أثر على صورة تونس نفسها، إذ بدا وكأن الإدارة التونسية وقعت في فخ التناقض: فمن جهة تتحدث عن “التعاون المغاربي” و“التكامل الاقتصادي”، ومن جهة أخرى تُمارس سياسة استثناء جارٍ وشريك اقتصادي كبير. إنها صورة لا تليق بتونس التي كانت تُقدَّم دومًا كبلد منفتح ومتزن في علاقاته الإقليمية.

النتيجة أن البلاغين معا شكّلا مشهدا عبثيا بكل المقاييس: الأول أغلق بابا دون مبرر، والثاني عاد لفتحه بطريقة خجولة، تحت ضغط الرأي العام والضحك الخافت في الكواليس، لكن الأهم أن هذه الحادثة الصغيرة كشفت هشاشة القرار الاقتصادي حين يُختطف من منطق المصلحة العامة ليخضع لحسابات سياسية ضيقة، وكشفت أيضًا أن الشعوب، بخبرتها ووعيها، لم تعد تُخدع بسهولة.

لقد خسر المجمع المهني المشترك للتمور بعضا من مصداقيته، وخسرت الإدارة التونسية لحظة من اتزانها، بينما كسب الرأي العام درسا جديدا في أن الحقيقة لا تُطمس ببلاغ توضيحي، وأن التصدير الحقيقي الذي تحتاجه منطقتنا المغاربية ليس تمورا ولا بضائع، بل تصديرا للعقلانية وللثقة بين الشعوب قبل كل شيء.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button