أخباررأي

محاكمة رمزية في باريس تفتح جراح العدالة الدولية: حين يحاكم الغرب الآخرين وينسى نفسه

✍️مصطفى الآبيض

تشهد العاصمة الفرنسية باريس، الثلاثاء المقبل، حدثا قضائيا غير مسبوق في تاريخ العدالة الفرنسية، حيث ستنطلق أول محاكمة غيابية أمام محكمة الجنايات لثلاثة مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى في نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وتعذيب أديا إلى وفاة مواطنين فرنسيين من أصول سورية.

ووفق الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، تهدف هذه المحاكمة إلى “محاكمة أعلى المسؤولين في النظام السوري منذ اندلاع الثورة في مارس 2011”، وتشمل لائحة المتهمين: علي مملوك المدير السابق لمكتب الأمن الوطني، وجميل حسن المدير السابق للمخابرات الجوية، وعبد السلام محمود المدير السابق لفرع التحقيق في المخابرات الجوية.

المحاكمة التي ستدوم أربعة أيام، وتُصوّر جلساتها لتوثيقها في أرشيف القضاء الفرنسي، تعتبر سابقة في القانون الدولي، خاصة مع تخصيص ترجمة عربية للجمهور، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات جوهرية حول منطق العدالة الدولية، وازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الحرب والإنسانية.

ففي حين يتحرك القضاء الفرنسي لمحاسبة مسؤولين سوريين غيابيًا، تتجاهل نفس المنظومة القانونية والسياسية

مجازر دامية ومستمرة في غزة وفلسطين منذ مايقارب قرن من الزمن ، دون أن يتحرك مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية بالصرامة ذاتها.

بأي منطق تُحاكم أنظمة وتُستثنى أخرى؟

من يملك حق تعريف “العدالة” ومن يُقرر من هو “المجرم” ومن هو “الضحية”؟

المتهمون الثلاثة السوريون غابوا عن العدالة الفرنسية، لكن الغياب الأكبر هو غياب العدالة ذاتها حين تتحول إلى أداة في يد الأقوياء، يوجهونها حيث يشاؤون، ويغضون الطرف حيث تتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية.

القضية تتعلق بالضحيتين باتريك ومازن الدباغ، اللذين اعتُقلا سنة 2013 من قبل المخابرات الجوية السورية، وتوفيّا لاحقًا تحت التعذيب في مركز المزة قرب دمشق، أحد أشهر مراكز الاعتقال الوحشية التابعة للنظام.

ورغم أن الأدلة والشهادات التي جمعها المحققون الفرنسيون تثبت وقوع التعذيب، فإن القضية تبقى محصورة في نطاق رمزي أكثر من كونها فعلًا قضائيًا حاسمًا، في ظل استحالة تنفيذ الأحكام داخل سوريا.

لكن الأهم من المحاكمة نفسها، هو ما تكشفه من ازدواجية صارخة في مفهوم العدالة الدولية:

أليست نفس القوى الغربية التي ترفع شعار “حقوق الإنسان” هي من وفّرت السلاح والغطاء السياسي لحروب أخرى في العراق، وليبيا، واليمن، وغزة؟

كيف يمكن للعالم أن يصدق عدالةً تنحاز دائما إلى من يملك الصوت الأقوى والمقعد الدائم في مجلس الأمن؟

العدالة، كما يبدو، لم تعد ميزانا بقدر ما أصبحت لعبة مصالح تُدار من العواصم الكبرى، حيث يُختار من يُدان، ويُستثنى من تُحميه السياسة أو الاقتصاد أو التحالف العسكري.

في النهاية، قد تُسجل محاكمة باريس لحظة رمزية في التاريخ الحقوقي، لكنها أيضًا تُعيد طرح سؤال جوهري على الضمير الإنساني:

هل العدالة الدولية حق، أم امتياز لمن يملك القوة؟

وهل يمكن حقًا أن نحاكم الظالمين بينما يجلس “الظالم الأكبر” في مقعد الحكم؟

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button