مرة أخرى، تجتمع الجامعة العربية ومن معها من أصدقاءها في العالم الإسلامي لتخرج لنا مسرحية جديدة بعنوان: “نستنكر ونشجب وندين وندعو المجتمع الدولي”، مسرحية تتكرر منذ عقود بنفس الممثلين، بنفس الكراسي المخملية وبنفس الجمهور الذي لم يعد يصفق بل يضحك بمرارة،
قمة الدوحة الطارئة لم تكن سوى فصل إضافي في هذا العرض الطويل الذي لا ينتهي، حيث تتحول الكاميرات إلى بديع الزمان الهمذاني في فن المقامات، والجمل المكررة و”بركاكة “تصبح موسيقى حزينة تعزف على أعصاب الشعوب المنهكة.
فها هم في هذه المرة ايظا ، يؤكدون و يشددون و يدعون و … يرحبون، وكأننا في حصص دراسية لإعادة تصريف الأفعال، يشددون على رفض العدوان، يدينون الانتهاك، يدعون المجتمع الدولي، يرحبون بقرارات الأمم المتحدة،
يا سلام!
كل شيء مرتب، كل شيء متناسق، حتى تكاد تشك أن القمة ليست اجتماعا سياسيا بل درس في قواعد اللغة العربية.
لكن السؤال الكبير: ماذا بعد؟
WHAT NEXT?
هل ستتحرك جيوشهم الجرارة؟
هل ستفتح خزائنهم المليئة بالدولارات لدعم القضية الفلسطينية أو لدعم قطر التي تعرضت للاعتداء؟
أم أننا سنكتفي بفتح حناجرنا “بملئ فاه” ببيانات نارية تنطفئ بمجرد مغادرة الوفود مطار الدوحة؟
منذ تأسيس هذه الجامعة “المفرقة والمشتتة”، ونحن نرى نفس الطقوس: بيانات ختامية صور جماعية، عناق أمام الكاميرات، وعبارات منمقة عن التضامن العربي و الوحدة الإسلامية،
لكن الواقع؟؟
واقع ممزق دول متناحرة، تحالفات متناقضة وكل دولة تبحث عن مصلحتها ولو على حساب شقيقتها.
هل منكم من يتذكر بيانات قمم سابقة؟
كم مرة شجبوا وأدانوا؟
كم مرة “رفضوا التدخلات الأجنبية” وهم في الوقت نفسه يهرولون وراء تلك التدخلات ويطلبون ودها؟
القمة الأخيرة في الدوحة تندرج في نفس السياق: كلام كثير، فعل قليل، بل حتى هذا الكلام صار يفقد بريقه، فقد تحول إلى روتين ممل، إلى درجة أن بعض الشعوب أصبحت تحفظ البيانات الختامية عن ظهر قلب: نؤكد، نشدد، ندين، نرفض، نرحب، نناشد، وندعو المجتمع الدولي… نسخة كربونية لا تنتهي.
بينما العرب يجتمعون لإصدار بيانات، إسرائيل تضحك في الكواليس. تعرف أن العرب لا يملكون إلا اللغة، وأن أقصى ما يمكن أن يفعله المؤتمر هو إصدار جملة نرفض فرض الأمر الواقع، إسرائيل تفرض الأمر الواقع فعلا على الأرض، تهدم، تبني، تحتل، توسع، والعرب يرددون: “نرفض فرض الأمر الواقع”…
أي سخرية هذه؟
قطر التي تعرضت لعدوان إسرائيلي مباشر وهي تلعب دور الوسيط لم تحصل إلا على بيان تضامني، بيانات لا تطفئ نارا ولا تحمي سماء. تضامن يشبه الورق، يشتعل بسرعة ويتطاير رماده في أول هبة ريح سياسية.
المشكلة أن الشعوب العربية لم تعد تصدق هذه اللغة. المواطن العربي حين يسمع أن “القمة أدانت” يضحك بسخرية:
هل سينخفض سعر الخبز؟
هل سيتوقف القصف على غزة؟
هل ستحل مشاكله اليومية؟
الجواب: لا. البيانات لا تُطعم جائعا، ولا تعالج مريضا، ولا تحرر أرضا، إنها مجرد أصوات في الهواء “كالبالونات”…
صدى يتردد في قاعات الفنادق الفاخرة، ثم يختفي.
إذا كانت كل هذه القمم لا تغير شيئا فلماذا تعقد؟
لماذا تُهدر الملايين على الفنادق، والموائد، وحفلات الاستقبال، والطائرات الخاصة؟
أليس من الأجدى أن تُصرف هذه الأموال على دعم فلسطين مباشرة، أو على مشاريع تنمية تحمي الشعوب من الفقر الذي جعلها عاجزة حتى عن متابعة نشرات الأخبار دون شعور بالمرارة؟
باختصار، القمة العربية الإسلامية في الدوحة لم تكن سوى نسخة أخرى من “القمم الورقية”… شجب هنا، إدانة هناك، ومناشدة للمجتمع الدولي الذي يعرف العرب أكثر مما يعرفون أنفسهم: يجتمعون ليطلقوا الرصاص على الورق، ثم يعودون أدراجهم في طائرات فارهة، بينما الشعوب تظل معلقة بين الأمل واليأس، بين انتظار معجزة لن تأتي، وبين ترديد نفس السؤال منذ عقود: متى تتحول هذه البيانات إلى أفعال؟
إلى ذلكم الحين، ستظل القمم مجرد فصول متكررة من مسرحية عربية طويلة، عنوانها الدائم: “نشجب وندين ونستنكر… ونعود إلى النوم العميق.”