مصطفى الآبيض
المغرب يقترض 200 مليون دولار ليقول للعالم: “ها نحن نحارب الكربون!”، وكأن دخان مصانعه تغطي سماء الدار البيضاء من شدته، كأن مداشر المغرب وقراه تعاني من الضباب الصناعي مثل بكين! الحقيقة أن البلد الذي ما زال يبحث عن جرعة ماء صالح للشرب في دواويره، وعن فرص عمل تحفظ كرامة شبابه، يقرر أن يحمل على كتفيه عبئ مهمة إنقاذ الكوكب من غازات لم ينتجها أصلا، مفارقة عجيبة و”طنز عكري” على ذقن الوطن
الصين تبني مصانع بحجم قارات وتنفث دخانها حتى غطت الغلاف الجوي، وأمريكا وأوروبا يبيعون العالم شعار البيئة بينما مصانعهم تبتلع الهواء كما يبتلع الغول فرائسه،اليابان والهند وهلم جرا من الدول الصناعية، يرسلون يوميا ما يكفي من الانبعاثات لتدفئة عطارد… ومع ذلك، لم يطرق أحدهم باب صندوق النقد الدولي ليقترض باسم “المناخ”.
أما المغرب، الذي لا يزال يختبر قدرة خزان ماء صغير على سد عطش قرية كاملة، فقد وجد نفسه فجأة بطلا عالميا من ورق في “خفض الكربون”!
الأدهى من ذلك أن الحكومة تبيع هذه الوصفة وكأنها إنجاز، بينما الحقيقة لا تعدو أن تكون نسخة حديثة من المثل الشعبي “اش خاصك العريان؟ الخاتم أمولاي”.
فما حاجتنا لمحاربة الكربون قبل أن نحارب البطالة؟
ما جدوى إنقاذ الكوكب بينما شريحة واسعة من الشباب لا تجد ما تنقذ به يومها وغدها؟ ويلقون بأنفسهم في البحر من أجل البحث عن حياة أفضل في جنة أوروبا الموعودة..!!؟
الطامة ليست في القرض ذاته، بل في العقلية التي تجعلنا نهرول وراء شعارات غربية لامعة بينما واقعنا يزداد ظلاما، نحن لا نغرق في الدخان، بل في العجز، في البطالة ، في الهشاشة الاجتماعية، ومع ذلك، يصر صانع القرار على أن يلبسنا ثوب “المنقذ البيئي” وهو يعلم أن جيبنا مثقوب، وبطننا فارغ، وصحتنا عليلة تبحث عن منقذ لها في مستشفيات تحتاج هي الأخرى إلى انعاش، وعن تعليم لازال يتبوء المراكز الأخيرة في الترتيب العالمي
فعلاً، إنها نكتة مُرّة… نكتة لا يضحك عليها سوى صندوق النقد الدولي، لأنه يعرف مسبقا من سيدفع الثمن: شعبٌ أنهكته القروض، والديون وغلاء الأسعار والمعيشة..
ولكن، ربما فطاحلة السياسة في حكومة أخناتوش، لهم رأي أخر غير مانراه نحن، أو ربما لهم من الآليات الفوق والتحت البنفسجية التي بها يستنبطون بها هذا العلم الفريد “علم جعل مستقبل أجيال واجيال هذا الوطن ترزح تحت نيران القروض والديون التي تتراكم و”تترعرع”وتنبت كالفطر اينما حلوا وارتحلوا…