أخباررأي

جمهورية الطوبيستان العظيمة : عندما تتحول الحافلات العمومية إلى سجون متنقلة والشعب إلى علب سردين بشرية

✍️المصطفى بعدو
يا سادة، إن ما نعيشه مع كل رحلة في “الطوبيس” ليس مجرد تنقل، بل تجربة وجودية حقيقية، أقرب إلى دورة روحية في طائفة تعبد الألم، حيث يطلب منك أن تؤمن بالعذاب اليومي كطريق للخلاص، وأن تسلم بأن الحافلة ليست وسيلة نقل، بل وسيلة اختبار لقدرتك على احتمال العبث
كأن المجلس الجماعي يهمس في أذنيك: “أرنا كم من الذل يمكنك أن تبتلع قبل أن تنفجر”
نركب ما يشبه علبة سردين عتيقة، ألقيت في فرن من الصفيح، تفوح منها رائحة خيبات الشعب المتعاقبة، مغطاة بطبقة سميكة من الصبر المزيف، ونحشر أجسادنا كأننا بطاطس مقلية في سندويتش في حي شعبي، نتصبب عرقا، نتبادل الأنفاس والشتائم والأوهام، ونسير مثل قافلة لاجئين في نكبة متجددة، تتجه إلى بر أمان مزيف، او لمحطة تقبع في السراب
المقاعد؟ مجرد ذكرى، كأنها كائنات انقرضت من الكوكب، وإن وجد أحدها فهو إما مكسور الظهر، أو يشبه مصيدة فئران، تجلس فيه فتقبض على ركبتيك وكأنك داخل آلة تعذيب محمولة، أما الزجاج؟ فهو تذكير شفاف بأننا تحت رحمة كل رملة في الطريق وكل حجر طائش، مجرد حواجز رمزية تفصل بيننا وبين السقوط الحتمي من النوافذ
وإذا كنت تظن أن السائق هو القائد، فأنت مخطئ يا عزيزي، السائق هو مجرد بحار متهالك في زورق مثقوب، يسب الزبائن، يشتم المارة، يصرخ في الهواء، يلعن اليوم الذي استيقظ فيه، ومع ذلك لا ينسى أن يشغل المذياع على أعلى صوت وكأننا في حفلة تنكرية داخل تابوت متحرك..
ويا للمفارقة…!،فبينما تنفق الملايير على المهرجانات، نجد أن التمويل البسيط الطبيعي غائب تماما حين يتعلق الأمر بنقل الناس من بيوتهم إلى أعمالهم، تعيش في بلد إذا أردت أن تستقل حافلة، فعليك أن تكتب وصيتك، وإذا وصلت حيا، فتلك نعمة تستحق السجود..

أما وعود الإصلاح، فهي أشبه بقطارات الأشباح: تسمع صوتها في خطابات البرلمان، وتراها في منشورات الاحزاب او الجماعات الترابية والبلديات،وفي البلاغات المؤسسات العمومية او الحكومية، لكنها لا تصل أبدا إلى المحطة، برامج تأهيل النقل الحضري تشبه أفلام الخيال العلمي.. تبهرك الصور، وتضحكك الوقائع، ولا علاقة لها بالواقع
والآن، ما العمل؟ هل نثور؟ هل نصرخ؟ هل نحمل أكفاننا ونعتصم في محطات الانتظار؟ لا… نحن شعب يعرف كيف يمزج الضحك بالبكاء، وكيف يحوّل مآسيه إلى نكت تُقال على عتبات “الطوبيسات”، نضحك من أنفسنا، نتهكم على حالنا، نلصق الدعوات إلى الله على الزجاج المكسور،او على أمواج البحر ونواصل السير، على أمل أن يأتي يوم نركب فيه وسيلة نقل لا تخوننا ولا تهينناولا تدفعنا للكتابة بهذا القدر من السخرية المرة..

في هذا البلد العجيب، يبدو أن النقل العمومي ليس حقا، بل لعنة ورثناها عن أسلاف كانوا ربما يتنقلون على الحمير، فاستبدلنا الحمار بصندوق من الصفيح، وتركنا كل شيء آخر على حاله، الركوب في “الطوبيس” هنا لا يشبه أي تجربة نقل في العالم، بل هو مزيج بين فيلم رعب من الدرجة الثانية، وسكتش هزلي رديء، وعقوبة جماعية بلا محاكمة، وكأنك تدخل امتحانا يوميا في فنون الاحتمال، حيث السؤال الوحيد هو: إلى متى ستصمد دون أن تنهار أعصابك أو تتقيأ روحك من الغيض؟

فكر في الأمر، نحن لا نركب حافلات، نحن نلج قبورا متحركة، ندفَن فيها أحياء على إيقاع هزات الطريق وصراخ الركاب، نكدس بعضنا فوق بعض كما يكدّس الفقراء في تقارير التنمية البشرية، نذوب عرقا تحت أشعة شمس لا ترحم، ونكتشف أن أجسادنا على اختلاف أحجامها، يمكن أن تتداخل مثل حبات الرمل في وضعيات هندسية مستحيلة،

ولك أن تتخيل أن هذه الحافلات، التي بالكاد تتحرك، تملك أبواقا “كلاكسونات” بأصوات كأنها صفارات إنذار لغارة جوية، لا نعرف هل تستعمل لتحذيرنا من الانفجار الوشيك، أم لتنبيهنا أننا لم نمت بعد، أما محرك الحافلة، فيئن مثل عجوز يحتضر، لكنه عنيد، يأبى أن يسكت، كأنه يقول: “أنا هنا فقط لأذكّركم أن حتى الحديد له مشاعر ويتألم..
والمثير للسخرية، أن كل هذه الكوارث تحدث يوميا، تحت أعين دولة تفتخر بشعار “المغرب يقلع”، ونحن نتساءل: هل يقلع فعلا؟ أم أننا مجرد طفيليات تركت عالقة في الطين، في انتظار أن يسحبنا أحد إلى اليابسة؟ يتحدثون عن المشاريع الكبرى، عن قطارات “البراق”، عن الربط بين المحيط والأطلس، عن مدينة ذكية هنا، ومنطقة لوجستية هناك، بينما نحن لا نستطيع أن ننتقل من تامنصورت إلى مراكش دون أن نشعر بأننا عبرنا مرحلة من الجحيم.
والسؤال الذي لا نجد له جوابا: من هذا العبقري الذي قرر أن هذه الحافلات تصلح للاستعمال الآدمي؟ من أقنع نفسه أن هذه الخردة تمثل وسيلة نقل في دولة تطمح لأن تكون رائدة في إفريقيا؟ وهل من الضروري أن نموت واقفين، كي يصل صوتنا إلى الآذان المغلقة في مكاتب مكيفة

أما الحديث عن المراقبة والجودة فمجرد نكتة سيئة، فحتى إذا تعطل الباب وانفتح فجأة على الطريق، ينظر إلى الأمر كأنه خلل بسيط في “التصميم”، وإذا اشتعلت الحافلة، يُقال إنها كانت تعاني من “احتباس حراري ذاتي”، وإن تأخرت ساعة أو ساعتين، فهذا طبيعي، فنحن لا نسير بالزمن، بل نسير بالمزاج.
ومع كل هذا، لا تزال الدولة تصر على أن الأمور بخير، وأن النقل في تحسن مستمر، طبعا! فالأرقام تقول ذلك، والدراسات تقول ذلك، أما المواطن الذي يتصبب عرقا، ويتنقل كالقرد المعلق في حبل داخل الحافلة، فلا أحد يسمعه،فأنين الركاب لا يدخل في تقارير “البنك الدولي” ولا حتى البنك المركزي”بنك المغرب”، ولا يظهر في عروض “الاستثمار الأخضر”الأسود بصحيح العبارة..

وفي النهاية، يا صديقي، لا تندهش إن رأيت الناس يحتفلون بوصول الحافلة، لا لأنها راقية أو مريحة، بل لأنها وصلت فقط! وهذه لوحدها أصبحت معجزة تستحق التصفيق، فنحن في وطن، فيه انتظار الحافلة يدرس كفن من فنون التأمل الصوفي، والركوب فيها تجربة تقشف روحي، والخروج منها سليما إنجاز بطولي..

♦♦فسلام على وطن لا تحترق فيه الحافلات فقط، بل تحترق فيه الكرامة كل صباح، وتنطلق نحو لا شيء، فوق عجلات صدئة، تقودنا إلى اللا جدوى..

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button