✍️المصطفى بعدو
في خضم التصعيد غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، وبعد الضربات المتبادلة التي هزت المنطقة، يطرح العديد من المتابعين والمحللين سؤالاً جوهرياً يتردد صداه في أروقة النقاشات السياسية والإعلامية: هل ما يحدث هو مجرد “فيلم هوليودي” من إخراج الولايات المتحدة الأمريكية، لخدمة أجندات خفية لها ولأبطال هذا “الفيلم” من إسرائيل وإيران؟
هذا التساؤل ليس محض خيال، بل هو نتاج تراكم سنوات طويلة من الشكوك والاتهامات المتبادلة بشأن الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، وتاريخ من “المسرحيات السياسية” التي يرى البعض أنها صُممت لتحقيق أهداف استراتيجية معينة، فالفكرة المركزية هنا هي أن واشنطن قد تكون المستفيد الأكبر من هذا التصعيد، سواء عبر إحكام قبضتها على المنطقة، أو دفع أجندات اقتصادية وعسكرية معينة، أو حتى إلهاء الرأي العام عن قضايا أخرى.
لكن،يرى أنصار هذه النظرية أن السيناريو الحالي يحمل عدة مؤشرات تدعم فرضية “الفيلم الهوليودي”،بينما يلاحظ البعض أن الضربات المتبادلة، رغم عنفها، تبدو وكأنها “مُقننة” أو “مسيطر عليها”. فإيران، رغم امتلاكها لقدرات صاروخية أكبر، لم تستخدم كل أوراقها، بينما بدت إسرائيل حذرة في استهداف مواقع قد تؤدي إلى حرب شاملة، هذا “التحكم الظاهر” في مستوى التصعيد يوحي بأن هناك خطة مسبقة لعدم تجاوز خطوط معينة.
فقبل وبعد الضربات، كانت هناك تصريحات و”تسريبات” دبلوماسية تشير إلى تنسيق غير مباشر أو على الأقل فهم متبادل لحدود الرد، وهذا التواصل، حتى وإن كان سرياً، يُعزز فكرة وجود “نص” يتم اتباعه. قد تهدف واشنطن من هذا إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، أو بيع المزيد من الأسلحة لحلفائها، أو حتى إضعاف القوى الإقليمية لضمان تفوق إسرائيل، وقد يخدم هذا التصعيد أجندات داخلية أمريكية في عام انتخابي.
وقد تستفيد طهران من هذا “الفيلم” في تعزيز صورتها كقوة إقليمية قادرة على الرد، وتوحيد الجبهة الداخلية، وربما الحصول على تنازلات مستقبلية في المفاوضات النووية، أو حتى إبراز ضعف العقوبات المفروضة عليها في منعها من تطوير قدراتها العسكرية، أما إسرائيل، فقد يمنحها هذا التصعيد فرصة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك مع إيران، وتوجيه ضربات “مُبررة” لأهداف حساسة، والحصول على دعم دولي أكبر، وربما صرف الانتباه عن قضايا داخلية أو إقليمية أخرى.و يجادل البعض بأن الهجمات لم تكن مفاجئة تماماً، بل كانت هناك تحذيرات وتوقعات مسبقة، مما يقلل من عنصر “الصدمة” الحقيقية ويجعلها تبدو وكأنها جزء من سيناريو معروف.
على الرغم من قوة هذه الفرضية، إلا أن هناك من يرى أن ما يحدث هو صراع حقيقي ومحفوف بمخاطر جمة، وأن نظرية “الفيلم الهوليودي” قد تبسط الأمور بشكل مفرط. فبغض النظر عن النوايا، فإن الضربات الصاروخية تخلف دماراً حقيقياً، وتُزهق أرواحاً، وتُحدث خسائر اقتصادية فادحة، وهذه النتائج المباشرة لا يمكن اعتبارها مجرد “تمثيل”،حتى لو كانت هناك نية لضبط التصعيد، فإن الحروب بطبيعتها لا يمكن التنبؤ بها بشكل كامل؛ قد يؤدي خطأ واحد في التقدير أو رد فعل غير متوقع إلى خروج الأمور عن السيطرة وانزلاق المنطقة إلى حرب شاملة لا يريدها أحد.
قادة الدول المتورطة يواجهون ضغوطاً داخلية هائلة، فالشارع الإيراني ينتظر رداً قوياً على الاعتداءات، وفي إسرائيل، الحكومة مُطالبة بضمان الأمن، هذه الضغوط قد تدفع القادة إلى اتخاذ قرارات متسرعة تخرج عن أي “سيناريو” مفترض،فالشرق الأوسط ليس حكراً على أمريكا وإيران وإسرائيل، فهناك لاعبون إقليميون ودوليون آخرون لهم مصالحهم الخاصة، وقد تتسبب أفعالهم في تغيير مسار “الفيلم” بشكل غير متوقع.
يبقى السؤال قائماً حول طبيعة هذا الصراع، هل هو فعلاً “فيلم هوليودي” مُحكم الإخراج لتحقيق غايات معينة، أم أنه صراع حقيقي ومتصاعد يهدد أمن المنطقة والعالم؟
الواقع قد يكون مزيجاً من الاثنين، فالدول الكبرى قد تسعى بالفعل لإدارة الصراعات الإقليمية بما يخدم مصالحها، وقد يكون هناك نوع من “التفهم الضمني” لخطوط حمراء معينة لتجنب كارثة شاملة. لكن في الوقت نفسه، فإن طبيعة الصراعات المسلحة المتفجرة تحمل دائماً مخاطر الخروج عن السيطرة، خاصة عندما تكون المشاعر القومية والدينية متأججة، والضغوط الداخلية متزايدة. وفي النهاية، سواء كان “فيلم هوليودي” أو صراعاً حقيقياً، فإن الخاسر الأكبر دائماً هو الشعوب التي تدفع ثمن هذه “المسرحيات” أو “الحروب” من أمنها واستقرارها ومستقبلها.
هل ترى أن هناك دلائل أخرى تدعم أو تفند نظرية “الفيلم الهوليودي” في هذا السياق؟