أخبارثقافة وفنون

حين يتلو الحرف ترانيم الوفاء

♦فريق الأخبار

في قلب معرض جماعي يضج بالإبداع، تتقاطع فيه أنفاس أكثر من ثمانين فنانا ممن خطّوا بالحرف رؤى تتجاوز الزمان والمكان، ينبثق عمل مولاي يوسف الحادمي كأحد تلك اللحظات التي لا تقاس بالحضور فقط، بل بما تتركه من صدى داخلي طويل الأمد، ابن مراكش، المدينة التي تمتزج فيها رائحة الطين بروح التاريخ، لا يشارك فحسب، بل ينحت من ذاكرته الجمالية قطعة فنية تتداخل فيها الطقوس التشكيلية بروح التكريم.

ليس الحادمي في هذا المقام مجرد فنان يعرض عملًا، بل هو شاهد من الداخل، يستحضر روح الراحل محمد بستان، لا بوصفه رمزا لحروفية معاصرة فقط، بل باعتباره نقطة ارتكاز في رحلة البحث عن جوهر الحرف، ذاك الكائن الذي لا يشيخ، بل يتجدد في كل انحناءة وريشة، في عمله،  لا يقلد، بل يفتح قوسا من الضوء أمام مشروع بصري مفعم بالحياة، تتداخل فيه أصالة التكوين مع نبض اللون، كما لو أن اللوحة تتنفس على إيقاعات فنية دفينة

الحرف في يد الحادمي ليس مجرد عنصر بصري؛ إنه ذاكرة وروح بتجاوز شكلها ليلامس جوهرها النقي، ويعيد له هيبته ككيان مفتوح على التأمل. تتماوج خطوطه مع دلالات مختزلة، فيتماهى الشكل مع المعنى، ويغدو اللون شاهدا على عبور داخلي لا يهدأ، في كل انحناءة خطّ أو انسياب رمزي، هناك احتفاء ضمني بجمالية الصمت، بما لا يُقال بل يُرى، وبالنداء الخافت الذي يحمله الحرف حين يتحوّل إلى ترنيمة بصرية.

ما يقدّمه الحادمي ليس فقط وفاء لفنان راحل، بل هو نوع من الصلوات التي تقال بالألوان والخطوط، وامتداد لصوت جمالي لا يزال يرن في آفاق الفن العربي المعاصر، المعرض، في ضوء ذلك، يبدو أكثر من مناسبة جماعية؛ إنه لحظة تواطؤ جماعي على تكريس الذاكرة، وتجديد العهد مع الحرف بوصفه حقلا لا ينضب من الإيحاء، ووسيلة تعبير لا تخون العهد

وسط كل هذا، يبرز عمل الحادمي كما لو أنه قصيدة غير مكتوبة، تُقرأ بالبصر قبل البصيرة، وتستدعي قارئا يعرف أن الجمال أحيانًا لا يُفهم، بل تتبناه الاحاسيس الفياضة كرواء للعواطف المتداخلة والعميقة

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button