أخباررأي

الخطاب الملكي في تعليق الأضاحي: صمت الإدارة وفوضى التنفيذ

©المصطفى الابيض

في لحظة تاريخية فارقة، كان من المفترض أن تتجسد فيها وحدة الرؤية والعمل بين مؤسسات الدولة، تكشفت حقيقة مغايرة للآمال، معضلة تتجاوز مجرد سوء التقدير لتصل إلى إظهار خلل عميق في آلية تنفيذ القرارات العليا، ورغم الوضوح المطلق للتوجيه الملكي الصارم بتعليق ذبح الأضاحي بهدف حماية الثروة الحيوانية، فإن المشهد الذي تعيشه البلاد الأن يروي قصة أخرى، قصة تضارب صارخ بين الأقوال والأفعال، وبين ما كان ينبغي تطبيقه وما تُرك ليتحول إلى فوضى عارمة.

لقد استمرت الأسواق في دورتها المعتادة، كأن لا قرار قد صدر، وكأن لا أزمة تتهدد الأمن الغذائي للبلاد، لم تشهد الأسواق الأسبوعية والموسمية أي تغيير يذكر، بل استمر بيع الأضاحي في المدن والقرى دون توقف أو تعليق، وكأنها جزء من سياق موازٍ لا علاقة له بالسياق الذي انبثق منه القرار الملكي، التاجر باع بضاعته، والمواطن اقتنى أضحيته، بينما السلطات بقيت على الحياد، صامتة بصمت يثير العديد من التساؤلات، قبل أن تتدخل فجأة، بعد أيام من التراخي واللامبالاة، لتعلن عن “صرامة” غير مبررة في غير محلها، مهاجمة بيوت الناس بدلاً من إغلاق الأسواق أو حتى أماكن بيع الأضاحي التي كان يجب أن تكون نقطة الانطلاق لتفعيل القرار.

المشكلة هنا ليست مجرد تفاوت في سرعة التنفيذ، بل هي أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تعكس غياب رؤية شاملة لإدارة الأزمات، وضعفاً بيناً في قدرة الإدارة الترابية على الانخراط الفعلي في ترجمة التوجيهات الملكية التي تُعد أولوية قصوى لا تقبل المساومة.

لم يكن المواطن هو المتسبب في هذا الخلل، بل وجد نفسه محاصراً في مشهد ملتبس: الدولة تارة تسمح وتارة تمنع، تغض الطرف عن التجاوزات ثم تعود لتشهر أدوات الردع وكأنها لم تكن موجودة أساساً.

المفارقة ليست فقط في بقاء الأسواق مفتوحة، بل في تحميل المواطن وحده مسؤولية وضع لم يكن صانعه، بل انخرط فيه تحت أنظار السلطات المحلية،المواطن المغربي، في هذه اللحظة العيدية، لم يتمرد على القانون، بل تحرك في فراغ قانوني وإداري لم يُحسم في الوقت المناسب، ولم يُصاحبه التوضيح اللازم، ولا الحزم المطلوب منذ اللحظة الأولى لصدور القرار.

في مثل هذه الظروف، لا تُقاس هيبة القرار بجمال صياغته الرسمية فحسب، بل بمدى التزام المؤسسات بتنفيذه بدقة وشفافية وعدالة. عندما تتأخر الإدارة في اتخاذ الإجراءات، وتخطئ في ترتيب أولويات التدخل، وتُنزل العقوبة على الطرف الأضعف بدلاً من معالجة المشكلة من جذورها، فإنها بذلك تضعف صورة الدولة، وتفرغ التوجيهات الملكية من مضمونها، وتحول الانضباط المفترض إلى فوضى منظمة.

احترام التوجيهات الملكية لا يكون بالخطابات الرنانة والشعارات الجوفاء، بل بتعبئة مؤسساتية متكاملة، تبدأ من ضبط الفضاءات العامة وتطبيق القانون فيها، وليس من اقتحام الفضاءات الخاصة للمواطنين، فعندما لا يتم تفعيل القرار من منبعه الطبيعي، أي السوق، ويتم عكس مسار التنفيذ نحو المنازل، فإن الأمر يتحول من ضبط جماعي إلى محاسبة فردية غير عادلة وغير منطقية.

في الختام، لم يكن المشهد برمته سوى مرآة صادقة لعطب في التنسيق، وفشل ذريع في التقدير، وضعف في الرؤية لاستباق الأحداث والتحديات.

إنه مشهد لا يُدين المواطن بقدر ما يطرح سؤالاً ملحًّا عن مدى جاهزية الإدارة لترجمة الرؤية الملكية إلى واقع ملموس وملموس، وعن حدود مسؤولية السلطة حين تغيب في اللحظة الحاسمة ثم تعود متأخرة، بأدوات لا تُصلح ما أفسده التراخي والتكاسل

و”شاهد ماشافشي حاجة”..

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button