
** مصطفى الأبيض
تحت ظلال مراكش التي لا تغيب عنها شمس الوفاء، وفي ليلة آوت إلى ركن من بيوت المدينة العامرة، حيث تجلى عبق الدكتور شكيب بنفضيل ليؤوي اليه دفء اللقاء، نسجت جمعية “تراثيات مراكش” تحت إمرة الدكتور سليمان الجدي إكليلا من عرفان، طوقت به جيد سليل البركة والمدد، الحاج محمد بن العباس القسطلي البوعمري، لم تكن الأمسية مجرد محفل لتعداد المناقب، بل كانت “حضرة” وجدانية استحضرت فيها مراكش شموخ زواياها وطهر أنسابها، احتفاء برجل لم يقرأ الكرم من بطون الكتب، بل ورثه سرا ونورا من مشكاة الزاوية البوعمرية، فصار في الناس كالغيث، أينما وقع نفع، وأينما حل أزهر الصدق والنبل
إن الاحتفاء بالحاج البوعمري هو في جوهره استنطاق للبعد الصوفي والرسالي في الشخصية المراكشية؛ فهو ذاك “السالك” في دروب الثقافة، الذي لم تفصله الحداثة عن أصالة جذوره، بل ظل مرابطا في ثغور التراث، وتحديدا في رحاب جمعية “عبد الله الشليح لهواة الملحون”، مؤمنا بأن الفن “قُربة” وأن صون الهوية “أمانة” شرعية وتاريخية، وقد تماهى الحضور في شهاداتهم حول المحتفى به، ليرسموا صورة الرجل الذي جعل من الخدمة الاجتماعية “خلوة” بغير انقطاع عن الخلق، ومن المروءة عبادة يومية، متوجا بذلك مسيرة من العطاء الإنساني الذي يستمد شرعيته من المبدأ الأخلاقي القائل: “خير الناس أنفعهم للناس”، فغدت يده البيضاء في دروب الخير شاهدا على أن نبل المحتد لا يكتمل إلا بنبل المقصد
وعلى إيقاع “سجية” الملحون، وبقيادة المايسترو الدكتور عبد الجليل الكريفة، انبعثت من حناجر الجوق نغمات تحاكي نبض المدينة القديمة، فكانت القصائد تنساب في حضرة الأدباء والمثقفين والصناع كأنها أوراد صوفية تنشد المحبة والجمال، إن هذا الامتزاج بين “الكلمة” الملحونية الرصينة و”القامة” البوعمرية الرفيعة، جعل من الحفل لوحة تذكرنا بأن مراكش لا تزال ولادة بالرجال الذين يحملون سرها في قلوبهم، وأن الحاج محمد البوعمري، بصمته البليغ وعطائه الصاخب بالخير، يمثل ذاك الجسر الروحي الذي يربط الأرض بالسماء، والثقافة بالدين، في تلاحم مهيب يؤكد أن الإرث الحقيقي ليس في ما يتركه المرء من متاع، بل في ما يزرعه من أثر طيب يبقى حيا في ذاكرة الأجيال والقلوب




