في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وصار الفشل نجاحا مؤجلا، والغلاء “تضحية وطنية”، والسكوت “حكمة شعبية”، أصبحت عقلية القطيع نمط عيش رسمي، لا يسأل عن شرعيته، لا أحد يعترض، لا أحد يفكر، بل الكل يجري خلف القطيع، لأن القطيع لا ينتظر أحدا، المواطن الصالح هو ذاك الذي لا يسأل، لا يحتج، لا يرفع حاجبا حين يرى راتبه يتبخر أمام فاتورة الكهرباء، ولا يتأفف حين يسمع أن “الزيادة في الأسعار ضرورية لاستقرار البلاد”..
– أي استقرار هذا الذي يبنى على ظهور المنهكين؟
– أي منطق هذا الذي يحولنا إلى مجرد أرقام تقاد بالعصا وتطعم بالوعود؟
في المجتمعات التي تقدس الإجماع، تصبح الشكوى خيانة، والتفكير في البديل فتنة، والاعتراض على الواقع ضربا من العبث، السياسي يخطئ، يعترف في جلسة مغلقة، ويبرر في جلسة مفتوحة، ثم يصفق له الحضور بحرارة، ويغادر القاعة متحدثا عن “نجاح تجربة الإصلاح العميق”،أما المواطن فعليه أن يبتسم في وجه العاصفة، وأن يكرر أن”العام زين”، لأن من يقول غير ذلك يصنف كعدو للاستقرار أو عميل لأجندات خارجية، إنها عبقرية القطيع، حيث تسلب منك ذاتك باسم الانضباط الوطني.
الإعلام، المفترض أن يكون سلطة رابعة، صار الراعي الرسمي للقطيع، برامج التحليل أصبحت مراكز دعائية للحكومة، والنشرات الإخبارية لا تنقل الواقع، بل تصوغه على مقاس من يدفع أكثر، اختزلت المهنة في شعارات براقة، ومصطلحات منمقة و”ضيوف دائمين فوق العادة وتحت العادة وما بينهما ” يعرفون متى يتحدثون ومتى يصمتون ومتى يصفقون، الصحفي المستقل يحاصر، يهاجم، ويسحب منه الميكروفون والبطاقة المهنية وربما يزج به في “المريخ”، لانه تجرأ وانتقد أسياده”، لأن الحرية اليوم لا تقاس بمدى قولك للحقيقة، بل بمدى خدمتك للسردية الرسمية او الخطاب الرسمي، وكأن الصحافة وُجدت لتفسير القرارات الحكومية، لا لمساءلتها!
وحتى في المنصات الرقمية، حيث كنا نظن أن التعبير فيها حرّ بلا سقف، أصبح القطيع يزأر عبر “ترندات” مدفوعة ومجندة، وحملات تشويه منظمة، وجيوش إلكترونية لا تنام، من ينتقد يمسح، ومن يقترح يُخَوَّن، ومن يخرج عن السطر يرسل له بلطجي رقمي يحاصره بالتقارير والبلاغات، إنها نسخة مطورة من عقلية القطيع، لا تستعمل العصا هذه المرة، بل تكنولوجيا الخنق الناعم.
في ظل هذا الواقع، لم يبق للعقلاء إلا ملاذ السخرية… السخرية من كل شيء، من الاجتماعات التي تبدأ وتنتهي دون فائدة تذكر” اللهم الا من سحب الدعم بدعوى المؤشر طالع لانك اشتريت شريحة هاتف…”، من التصريحات التي تتحدث عن “العدالة المجالية” في حين أن القرى ما زالت تضاء بالشموع والنساء في الجبال “المغرب المنسي”يرحلن يومين من المشي من اجل قنينة ماء ومراكز صحية تحتاج للانعاش و… ، ومن المسؤولين الذين يخبروننا أن الوطن يحتاج إلى تضحيات، ثم يسافرون في الدرجة الأولى لحضور مؤتمر “التقشف والتنمية”، نحن نعيش في وطن حيث الخيال يتفوق على الكوميديا، والواقع يُفقدك القدرة على الاستغراب…
عقلية القطيع ليست فقط خطرا على الحرية، بل على كرامة الإنسان، على المعنى، على الحلم….
إنها ليست مجرد حالة اجتماعية، بل مشروع سياسي متكامل، يهدف إلى تذويب الفرد في الجماعة، وحقن الناس بجرعات عالية من اللامبالاة، حتى يصير الانهيار مشهدا مألوفا، والتصفيق له فعلا وطنيا…
– هل نملك بعد هذا كله شجاعة الخروج من القطيع؟
-هل صارالصراخ مرهقا والنجاة من العدم مجرد ترف فكري؟
السؤال معلق، مثلنا تماما، بين الأرض والسماء…والهاوية…