
♦ عبد العزيز برقاش
في قلب جبال الحوز، حيث تعانق الطبيعة ذاكرة الأجداد، تستعد تغدوين لأن تُنشد للحياة نشيدها الأصيل، في مهرجان يتجاوز حدود الاحتفال العابر، ليتحول إلى موعد متجدد مع الوجدان، ومسرح مفتوح على الموروث، والرغبة الملحة في البوح
أيام قليلة تفصلنا عن انطلاقة مهرجان تغدوين للفنون والثقافة، الذي لا يكتفي فقط بجمع الفنانين والفرق الشعبية، بل ينصت بعمق لما لم يروى من حكايات القرى ويحكى من أساطير القصص و الروايات ، ومن أغنيات مرت ذات زمن، ولكن ظلت حية في ذاكرة المنظقة، تنتقل من لسان الى لسان ومن ذاكرة الى ذاكرة ،
المهرجان ينظم بشراكة بين جمعية تزورين نو سايس ومجلس جماعة تغدوين، ويرفع ستارته في الثامن من غشت الجاري، لتستقبل زواره، ليس فقط بعروض فنية، بل بنداءات من التراب والذاكرة، وبأصوات نساء ورجال حملوا على أكتافهم حكاية مكان وصوت هوية
الندوات الثقافية التي ستُقام على هامش المهرجان، هي لحظات خطابية ناعمة لمقاومة النسيان، محاولة لإعادة كتابة التاريخ الشفهي على لسان من عاشوه، وجعل التراث حيا لا في أرشيف وجدان الأجيال القادمة
أما الفنانون، أولئك الذين يحملون البندير كما يحمل المقاتل سلاحه، فقد حضروا إلى الاجتماع التحضيري الذي اقيم يوم 19 يوليوز المنصرم، ليؤكدوا أن الفن رسالة، وأن المهرجان ليس مجرد ترفيه، بل مسؤولية ثقيلة تحمل على الإيقاع والنغمة والصوت، فرئيس جماعة تغدوين و نائبه الأول و أعضاء اللجنة المنظمة، وكل من حضروا ذاك اللقاء كانوا شهودا على لحظة تستحق التوثيق، لحظة قرر فيها أبناء المنطقة أن يكتبوا أسماءهم بأنغام الدقة المراكشية، وإيقاعات أحواش، وأهازيج الأطلس التي لم تخنها اللغة يوما
هناك، في عمق المغرب غير المرئي، تُقام مهرجانات لا تملك ميزانيات ضخمة، لكنها تملك ما هو أعمق: ذاكرة وهوية وانتماء. تغدوين، التي تنام على سفوح الحلم، تصحو الآن على وقع خطوة ثقافية جريئة، لا تنتظر الكاميرات، ولا تعول على أضواء الإعلام الرسمي، بل تبني مجدها من صبر الناس، من ألوان جلابيبهم، من نبرة الحنين في أغانيهم، ومن ثقة كاملة بأن الثقافة لا تولد في العواصم فقط، بل تُصاغ أيضًا في الحقول، وبين الجبال، وعلى إيقاع الطبول التي لا تكذب



