أخبارثقافة وفنونشعر وأدب

حين يصغي المداد للطفولة: يراع تفتح في مراكش أفق المعنى وأبواب الخيال

#مصطفى_الآبيض

في مراكش، تلك المدينة التي تتقن فك شفرات الزمن وتحويل التراب إلى ذاكرة، لم يكن مساء أمس الجمعة الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري، غير لحظة زمنية فارقة انزاح فيها الستار عن نص ثقافي حي، أثثت تفاصيله المكتبة الوسائطية الكدية ابتداء من الرابعة والنصف عصرا هناك، وفي عناق مبدع بين الكلمة والمكان، أعلنت جمعية يراع للثقافة والفنون في كلمة أدبية رائعة شكلت فيه كل المعاني الجميلة التي غمرت يه رئيستها المكان و فتحت دراعيها بترحاب عميق للكل، وعبرت فيه باسم جمعيتها ونيابة عن جميع الأعضاء كذلك عن تجدد الحياة في شرايين موسمها الثقافي، مطلقة ورشات الجمعية الإبداعية ومحتفية بتوقيع المجموعة القصصية ذكريات من الطفولة للكاتب الطاهر لكنيزي، في طقس يعيد للكلمة جلالها وللمداد نصاعته الأولى.

لقد جاء هذا المحفل ليؤسس لرؤية فلسفية تجعل من الفكر تجربة معيشة لا تنظيرا باردا، حيث لم تكن الطفولة مجرد مرحلة عمرية تتوارى خلف جدار السنين، وإنما أقنوما للدهشة ومصدرا بكرا لكل إبداع إنساني أصيل، كشفت أوراق اللقاء أن العودة إلى ذكريات الطفولة، هواسترداد للذات القرائية في براءتها الأولى، وتفكيك لسمك الزجاج الذي يفصل الطفل عن مخيلته

فبين ثنايا الكلمات التي قدمها القراء الشباب، تجسد المعنى الفلسفي للقراءة بوصفها إعادة خلق للوجود؛ إذ إن الطفل يتنفس النص ولايكفي فقط بقرائته، و يبني بالحكاية وعيه ويعيد ترتيب العالم من حوله.

إن التجربة التي أثثتها أفكار اليافعين والأدباء والشعراء في هذا اللقاء، كشفت عن رهانات عميقة تتجاوز تلقين الحرف إلى استنبات الفكر النقدي، فبين ورقة نقدية تشتبك مع الذاكرة، وقراءة تحلق في ملكوت الوعي القرائي، تجلى المداد كجسر عبور بين الأجيال، تحول فيه الحبر من مجرد سائل على ورقة إلى طاقة إشراق تضيء معالم الشخصية وتمنح الخيال حقه المشروع في الوجود، لقد برهنت هذه الاحتفالية على أن الثقافة حين تلامس شغف الناشئة، تتحول من هامش احتفالي إلى مركزية تصنع الفارق في بناء الإنسان.

ولم تكن الأمسية مجرد استرجاع لنصوص قيلت، لكن كانت إعلانا فلسفيا وبصريا عن انطلاق ورشات ستمزج بين الحكي والرسم والكتابة، تحت شعار يختزل الفلسفة الإبداعية للجمعية: من ذكريات الطفولة… تبدأ حكايات الإبداع

إنها دعوة للتحرر من وثنية الإسفلت وجفاف الحياة الرقمية، والعودة إلى نوارنية الكتاب، حيث تشهد مراكش مرة أخرى أن الأفكار حين تسقى بمداد الشغف، تزهر عقولا متفكرة، وتنسج من الماضي الحكي، ومن الحاضر الرؤية، ومن المستقبل الإبداع

 

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button