مصطفى الآبيض يقول المتنبي وهو في حالة من الاشتياق الوجداني والعاطفي: ابلغ عزيزا في ثنايا القلب منزله اني وان كنت لا القاه القاه وان طرفي موصول برؤيته وان تباعد عن سكناي سكناه ياليته يعلم اني لست اذكره وكيف أذكره واذ لست انساه يامن توهم اني لست اذكره والله يعلم اني لست أنساه ان غاب عني فالروح مسكنه من يسكن الروح كيف القلب ينساه هذه القصيدة الرائعة التي تعتبر قمة في الوفاء العاطفي والصدق الوجداني، وتعبّر بلغة رقيقة عن حالة من لاشتياق العميق الممتزج بالكرامة والعزة "أبلغ عزيزا في ثنايا القلب منزله" افتتاح مفعم بالاحترام والسمو، فهو لا يقول "حبيبي" أو "معشوقي"، بل "عزيزا"، وكأن العاطفة هنا مزيج من الحب والهيبة. "في ثنايا القلب منزله" – تصوير جميل يدل على عمق المكانة، فليس في سطح القلب، بل في ثناياه، أي في أعماقه. "إني وأن كنتُ لا ألقاه ألقاه" مفارقة بديعة: حتى عندما لا يلقاه جسدا، يلقاه روحا ووجدانا. أي أن اللقاء المعنوي أسمى من اللقاء الحسي. "وأن طرفي موصول برؤيته، وإن تباعد عن سكناي سكناه" العين هنا صارت وسيلة للذكرى فهو يراه بعين القلب حتى لو ابتعد المكان. سكناه وسكناي، جناس موسيقي جميل يضاعف الأثر العاطفي "يا ليته.يعلم أني لست أذكره، وكيف أذكره وإذ لست أنساه" ذروة القصيدة العاطفية، فيها مفارقة فلسفية"لا أذكره" لأن الذكرى تكون لما يغيب، أما هو فيوجد دائمًا في الوجدان، فلا مجال للذكرى حين يكون الحضور دائما "يا من توهم أني لست أذكره، والله يعلم أني لست أنساه" تأكيد الوجدان بيمينٍ صادقٍ أمام الله، لا أمام البشر. قسم المحب هنا يعلو بمشاعره إلى مرتبة الصدق المقدّس. "إن غاب عني فالروح مسكنه، من يسكن الروح كيف القلب ينساه" الختام في غاية الجمال: يقرر أن الحبيب يسكن الروح لا القلب فقط ، لأن القلب قد يخطئ أو يتقلّب، أما الروح فهي الخلود، الثبات، الارتباط الأبدي.