أخباررأي

المغرب والبريكس: صمت استراتيجي أم تحوّل مفصلي في خارطة التحالفات؟

#المصطفى بعدو

بينما يعيد العالم ترتيب أوراقه، وتتشكل تحالفات جديدة تزيح القطبية الواحدة، تبرز مجموعة “البريكس” كأحد أبرز التكتلات الطامحة لإعادة رسم معادلات النفوذ، وفي خضم عالم يمور بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية، وتتكسر فيه الاصطفافات التقليدية، يطفو على السطح سؤال استراتيجي مفصلي: هل ينكسر صمت المغرب إزاء مجموعة “البريكس” ليصنع منعطفًا تاريخيًا جديدًا في تموقعه الدولي؟ فالمغرب، هذا البلد الذي ظل لعقود يدير توازنه بحذر بين شركاء الغرب وأشواق الجنوب، يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق حاسم، تُرسم فيه ملامح نظام عالمي جديد لم تعد فيه الهيمنة الغربية مطلقة، ولا الاصطفاف الأيديولوجي ضرورة.

مجموعة “البريكس”، التي كانت إلى وقت قريب تجربة ناشئة تجمع بين قوى اقتصادية صاعدة، تحوّلت إلى تكتل وازن يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات العالمية، ليس فقط اقتصاديًا، ولكن سياسيًا وثقافيًا أيضًا، ومع انضمام دول جديدة ذات طموحات إقليمية وعالمية، لم تعد البريكس مجرد نادٍ للاقتصادات الناشئة، بل مشروعًا لخلق عالم متعدد الأقطاب، يراهن على التحرر من القبضة الأحادية التي مارستها المؤسسات الغربية لعقود، سواء عبر الدولار أو عبر المؤسسات المالية الدولية.
في هذا السياق، ظل موقف المغرب من البريكس غامضًا، إن لم نقل ساكنا، فلا هو أعلن رغبته في الانضمام، ولا هو رفض بشكل رسمي، هذا الصمت الذي يقرأه البعض كحذر استراتيجي، يراه آخرون تعبيرًا عن تردد دبلوماسي بين الحفاظ على العلاقات التاريخية مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والانخراط في تحالف جديد قد يربك تلك التوازنات،
فالمغرب، كدولة لها مصالح اقتصادية وأمنية معقدة، لا يمكنها أن تخطو نحو أي تموضع جديد دون أن تزن كلفة الخطوة بدقة متناهية.
لكن ما قد يعجّل بكسر هذا الصمت، هو التغير المتسارع في طبيعة العلاقات الدولية، إذ لم تعد المؤسسات التقليدية قادرة على الاستجابة للتطلعات المأمولة ، خصوصًا في ما يخص التمويل، والتكنولوجيا، ونقل المعرفة، وتعزيز السيادة الاقتصادية، من هذا المنظور، تبدو البريكس منصة واعدة، لا فقط كمجموعة اقتصادية، بل كفضاء يُحتمل أن يعيد للدول المتوسطة والناشئة قدرتها على التأثير، بدل أن تظل موضوعًا للتأثير، ورغم أن البريكس، كما يراها الخبراء يعيش حالة من “عدم الاستقرار” وبسبب مواقف بعض اعضائه المتباينة ، تجاه قضية الصحراء المغربية.
الرهان إذًا أكبر من مجرد انضمام إلى تكتل اقتصادي؛ إنه رهان على إعادة تعريف الذات السياسية للمغرب في خريطة العالم الجديد. هل يستمر في لعب دور الوسيط بين الشمال والجنوب؟ أم يتخذ موقعًا أكثر وضوحًا في معسكر قوى الجنوب الصاعد؟ وهل تسمح خصوصياته الجيوسياسية، وارتباطاته العميقة مع أوروبا والولايات المتحدة، بمثل هذا التحول الجذري دون كلفة ثقيلة؟
في المقابل، يملك المغرب أوراقًا تفاوضية مهمة تجعله شريكًا مرموقًا لأي تكتل دولي، منها استقراره النسبي، موقعه الجغرافي الإستراتيجي، دوره المتزايد في أمن الطاقة والغذاء، وانخراطه المتنامي في القارة الإفريقية. هذه الأوراق قد تجعل من انضمامه إلى البريكس إضافة نوعية للتكتل، لا مجرد رقم جديد في المعادلة.

يبقى أن القرار في نهاية المطاف، ليس اقتصاديًا صرفًا، ولا دبلوماسيًا بحتًا، بل هو قرار سيادي في لحظة عالمية مضطربة. لحظة تستدعي شجاعة في إعادة رسم الأولويات، وإرادة في الخروج من ضيق التبعية إلى أفق المبادرة. فهل ينكسر صمت المغرب، ويصنع التاريخ، أم يختار استمرار الانتظار في ممر التحولات، حتى تتضح معالم القادم؟

قد تكون صورة ‏نص‏

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button