أخبارسياسة

صناديق الاقتراع ورسائل الصمت.. أزمة المعنى في انتخابات شتنبر 2026

#مصطفى_الآبيض
يقف المشهد السياسي المغربي على مشارف استحقاق تشريعي لا تقاس أهميته بآلية الاقتراع المقررة في الثالث والعشرين من سبتمبر بقدر ما تقاس بحجم الأسئلة الثقيلة التي تحيط بجدوى العمل الحزبي برمته
إن تحول الانتخابات من مجرد محطة تقنية لتوزيع ثلاثمائة وخمسة وتسعين مقعدا بين سبعة وعشرين حزبا إلى اختبار حقيقي لمعنى التمثيلية يضع المؤسسات في مواجهة مباشرة مع الشارع، فالرهان السياسي لم يعد محصورا في هوية التحالف المقرب من رئاسة الحكومة بقدر ما ينصب على قدرة الفاعلين على تحويل الوعود الشفوية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس في مجالات التعليم والصحة والتشغيل، وهنا تحديدا تنكشف الفجوة التاريخية بين ضجيج الحملات ومطالب الحياة اليومية التي لا تنتظر نتائج الفرز لتأمين خدماتها الأساسية
تكمن الخصوصية البارزة لهذه المحطة في تغير بيئة التواصل السياسي وميلاد ساحات منافسة جديدة غير تقليدية داخل الفضاء الرقمي، لم يعد المرشح بحاجة إلى وسائط التلفزيون والإعلام الرسمي لتوجيه خطابه بل أصبحت الهواتف الذكية خوارزميات توجيهية تشكل الوعي الجمعي للناخبين في لحظات خفيفة، هذا التحول الرقمي الفائق أفرز تحديات جديدة تتعلق بسلامة العملية الانتخابية وأجبر السلطات على التدقيق في الجرائم الإلكترونية واستغلال الذكاء الاصطناعي في نشر الأخبار الزائفة
إن هذه المعركة المسكوت عنها على الشاشات الصغيرة تجعل من حماية المعطيات الشخصية وحفظ كرامة المنافسين، ركنا أساسيا لا يقل أهمية عن نزاهة صناديق الاقتراع نفسها
يضع هذا الواقع المتشابك ،وسائل الإعلام المهنية أمام امتحان عسير يتجاوز السرد السطحي لأخبار الترشيحات التي تمتد بين أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر. إن دور الصحافة الحقيقية في ظل قواعد التعددية السمعية البصرية يتجلى في ممارسة المساءلة الصارمة للبرامج الحزبية، وتفكيك كفايتها المالية والزمنية بدلا من الاكتفاء بنقل الخطابات الرنانة، فالتغطية الإعلامية الرشيدة هي التي تمنح الفاعلين الفرص المتكافئة لكنها ترفض منح الوعود أي حصانة من النقد أو التحليل العميق، فالناخب عندما يقف بمفرده في لحظة التصويت الحاسمة يتجرد من المؤثرات الرقمية والخطابية ليتخذ قراره بناء على مدى صدق المشاريع المطروحة وقابليتها للتحقق علي أرض الواقع
يبقى المؤشر الحقيقي لنجاح هذا الاستحقاق رهينا بحجم الثقة المعاد بناؤها بين المواطن والعمل السياسي بعد إعلان النتائج الأولية، إن المقاعد الانتخابية والنسب المئوية هي أرقام مجردة يمكن صياغتها في محاضر رسمية غير أنها قاصرة عن إثبات مشروعية الفعل الديمقراطي
إذا استمر عزوف الناخبين الديمقراطية الحقيقية لا تنتهي بإغلاق مكاتب التصويت وإعلان الفائزين، لكن تبدأ في اليوم التالي من خلال ترجمة الأصوات إلى مسؤوليات أخلاقية وسياسية،وإذا لم يتحول الاقتراع إلى أداة للتغيير الملموس في واقع المواطن فإن صندوق الاقتراع سيفقد رمزيته لصالح صمت انتخابي أبلغ من أي خطاب

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button