في طنجة العالية، المدينة التي تطل على البحر وتخفي بين أزقتها حكايات الناس، اهتز حي القوادس على وقع فاجعة لا تحتمل،رضيعة في عمر الزهر ذي ثمانية أشهر فقط، تغادر الحياة في حضن مكان وُجد أصلا لحمايتها،حضانة تحوّلت في لحظة إلى مسرح لجريمة من نوع آخر، وكاميرات المراقبة كانت الشاهد الوحيد على الحقيقة التي حاول البعض تغليفها بكلمة “حادث عرضي”.
لكن الحقيقة لم تكن عرضية أبدا ، بل كانت ثمرة إهمال وغياب ضمير. طفلة في الثامنة من عمرها تُكلف من مستخدمة بالعناية برضيعة لا تملك من القوة سوى البكاء، تسقط”او اسقطتها عمدا” منها مرات عدة، وترتطم بالأرض مرات أكثر، إلى أن يصمت جسدها الصغير إلى الأبد،طفلة تسببت دون قصد في مأساة أكبر منها، ومستخدمة وصاحبة حضانة لم تدركا أن العبث بالأرواح الصغيرة جريمة لا يغسلها بكاء ولا اعتذار.
القانون يقول إن الحضانة مرخصة، والوثائق تؤكد أنها قانونية. لكن من يراقب ما يجري خلف الأبواب؟ من يتأكد أن الأطفال هناك بأيد آمنة؟ فيجب إعادة النظر في منح لرخص لكل من هب وذب، فالرخصة لا تمنح الأمان، والقانون لا يطعم الضمير،كم من فضاء يحمل اسم “الحضانة” وهو في الحقيقة مجموعة من للأخطاء المميثة ، يودع فيه الآباء أبناءهم على أمل أن يعودوا سالمين؟
المأساة هنا لا تقاس بعدد قطرات الدموع، بل بما تكشفه من هشاشة في المنظومة التعليمية والتربوية ككل، طفلة ثمان سنوات تحاول أن تكون راعية، وأم مبحوث عنها في قضايا مالية، وحضانة تتاجر في الثقة، ودولة تصدر الرخص أكثر مما تراقب. والنتيجة… جثة صغيرة، وقلب أم مكسور، ومجتمع يكتفي بالبكاء ثم ينسى.
حادث كهذا لا يجب أن يمر مرور الكرام، كما مرت حوادث كثيرة قبله. لا يكفي أن تفتح تحقيقات، ولا أن تُعتقل مسؤولة أو مستخدمة، المطلوب أن تُعاد صياغة مفهوم “الحضانة” من جذوره، أن تُربط الرخصة بمستوى التأطير، وبعدد العاملات ومامدى مهنيتهن واحترافهن ووزنهن العلمي والعملي، وبشروط السلامة، وبالرقابة الدورية الصارمة،فحياة الأطفال ليست تجربة يمكن تصحيحها لاحقا.